تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
الزائغة ، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين ، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة ، وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة ، بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح ، ولنزولها ليلا دليل على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا ، وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات ، أولو الألباب أهل الخلوات ، والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل .
بِسْمِ اللَّهِ
الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال
الرَّحْمنِ
الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما حيّر لعمومه الأفهام ، فضاقت به الأوهام
الرَّحِيمِ *
الذي حبا أهل الإيمان بنور البصائر حتى كان الوجود ناطقا لهم ، بالإعلام بأنه الحي القيوم السّلام .
الْحَمْدُ
أي الإحاطة بأوصاف الكمال
لِلَّهِ .
لما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السّلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك الجمع ، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة ، إذ الحمد هو الوصف بالجميل ؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقا ثابتا دائما قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه ، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال - على ما تقدمت الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق ، إما بأن اللام له عند الجمهور ، أو بأنها للجنس - كما هو مذهب الزمخشري ، ويؤول إلى مذهب الجمهور ، فإن الجنس إذا كان مختصا به لم يكن فرد منه لغيره ، إذ الجنس لا يوجد إلا ضمن أفراده ، فمتى وجد فرد منه لغيره كان الجنس موجودا فيه فلم يكن الجنس مختصا به وقد قلنا : إنه مختص ، وهذا التحميد صار بوصفه فردا من أفراد تحميد الفاتحة تحقيقا لكونها أمّا ، وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله :
الَّذِي خَلَقَ .
ولما كان تعدد السماوات ظاهرا بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله : جمعها فقال :
السَّماواتِ
أي على علوها وإحكامها ، قدمها لما تقدم قريبا
وَالْأَرْضَ
أي على تحليها بالمنافع وانتظامها . ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم المجعول بنفسه قال :
وَجَعَلَ
أي أحدث وأنشأ لمصالحكم
الظُّلُماتِ
أي الأجرام المتكاثفة كما تقدم
وَالنُّورَ *
وجمع الأول تنبيها على أن طرق الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى ، وقد تقرر بهذا