تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
لا حفه أي لازمه . وقال الحرالي : هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى . وإنما يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي ، كما كان أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه يستقرىء غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا يفهم مراده إلا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتهاد في العفة والمبالغة فيها ، والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلا جدا أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما . ولما ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك الموضع فقال :
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
أي في أي وقت أنفقتموه
فَإِنَّ اللَّهَ
أي المستجمع لصفات الكمال
بِهِ عَلِيمٌ *
وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك ، وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك . ولما حض على النفقة فأكثر وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتا كان كأن سائلا قال : في أي وقت تفعل ؟ فبين في آية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ
أي في الوجوه الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى الإخلاص اهتماما به دلالة على فضله فقال :
بِاللَّيْلِ
إن اقتضى ذلك الحال
وَالنَّهارِ
إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد
سِرًّا وَعَلانِيَةً
كذلك . ولما كان الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد . ابتدأ الجزاء في آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلا له منزلة العدم ، وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك ، ترغيبا في الكف عنه ، لأنه منظور إليه في الجملة ، وربط الجزاء في هذه إعلاما بأنه مسبب عن هذه الأحوال ، لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها ، حثا على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك ، لأن من سمح بالإنفاق للّه سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال :
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
وسببيته كونه علامة لحصول الأجر ، لا أنه سبب حقيقي ، إنما السبب الحقيقي رحمة اللّه بالتوفيق للعمل والاعتداد به ، وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلا بقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 529 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي