الأهراء وأبوكم السمائي يقوتها ، أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها ؛ وقال لوقا فيكم : أنتم أفضل من الطيور ، من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدا ! فلماذا تهتمون باللباس ! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب ؛ وقال لوقا : تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى . أقول لكم إن سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها ، فإذا كان زهر الحقل يكون اليوم وفي غد يطرح في التنور يلبسه اللّه هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان فلا تهتموا وتقولوا : ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس ؟ هذا كله يطلبه الأمم البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه ، اطلبوا أولا ملكوت اللّه وبره وهذا كله تزادونه ، لا تهتموا بالغد ، فالغد يهتم بشأنه ، ويكفي كل يوم شره ؛ وقال لوقا : تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة ، كونوا متشبهين بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له ، طوبى لأولئك العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين ! الحق أقول لكم إنه يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك ، فطوبى لأولئك العبيد ! ثم قال : فقال له بطرس : يا رب ! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع ؟ فقال : من ترى الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه ؟ فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا ! الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع ماله ، فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه : إن سيدي يبطىء قدومه ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين ، فأما العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيرا ، والذي لا يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيرا ، لأن من أعطى كثيرا يطلب كثيرا والذي استودع كثيرا يطلب بكثير ؛ وقال في موضع آخر : الأمين في القليل يكون أمينا في الكثير ، والظالم في القليل ظالم في الكثير ، فإن كنتم غير أمناء في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق ! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن يعطيكم مالكم ! جئت لألقي نارا في الأرض وما أريد إلا اضطرامها ، ولي صبغة أصطبغها ، وأنا مجدّ لتكمل ، هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض ! أقول لكم : يكون افتراق من الآن ، يكون خمسة في بيت ، واحد يخالف اثنين واثنان ثلاثة ، يخالف الأب ابنه ، والابن أباه ، والأم ابنتها ، والابنة أمها ، والحمأة كنتها ، والكنة حمأتها . وقال متى : لا تدينوا لئلا تدانوا ، وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم . وقال لوقا : لا تحبوا الحكم على أحد لئلا يحكم عليكم ، اغفروا يغفر لكم ، أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى في حضونكم ، لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم ، هل يستطيع أعمى أن يقود أعمى !
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 489
مساهمون: ابراهيم بن عمر البقاعي
ص٤٨٩