والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها وهو معنى دون الكتب الذي هو وصلة وخرز
حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ
أي الذي تقدم فيما أنزلت عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق ، أو ما كتب وفرض من العدة
أَجَلَهُ
أي أخر مدته التي ضربها للعدة .
ولما أباح سبحانه وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب وبقي بين الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلا غلظ سبحانه وتعالى الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى :
وَاعْلَمُوا
أي أيها الراغبون في شيء من ذلك
أَنَّ اللَّهَ
وله جميع الكمال
يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ
كله
فَاحْذَرُوهُ
ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من إحاطة العلم إحاطة القدرة .
ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثا على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
أي كما اقتضى جلاله العقوبة اقتضى جماله العفو فهو لذلك
غَفُورٌ
أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا
حَلِيمٌ *
لا يعاجل أحد العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم لكونه بعد طول الأناة لا يطاق ، ويجوز أن يكون التقدير : ولا تصرحوا للنساء المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد ؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم ، لأن الماء يكون فيه أربعين يوما نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح « 1 » فتلك أربعة أشهر ، وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب العقود إليها ؛ وفي صحيح مسلم رضي اللّه تعالى عنه تقدير المدة الأولى « باثنين وأربعين يوما » وفي رواية : « خمس
هامش
( 1 ) صحيح . يشير المصنف لما أخرجه البخاري 3208 و 3332 و 6594 و 454 ومسلم 2643 وأبو داود 4708 والدارمي في الرد على الجهمية ص 81 والترمذي 2137 وابن ماجة 76 والطيالسي 298 والحميدي 126 وأحمد 1 / 382 - 430 وأبو يعلى 5157 وابن حبان 6174 كلهم من حديث ابن مسعود قال : « حدثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو الصادق المصدوق - قال : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّه ملكا يؤمر بأربع كلمات ، ويقال له : اكتب عمله ، ورزقه ، وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه ، وبين الجنة إلا ذراع ، فيسبق عليه كتابه يعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه ، وبين النار إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة » ا ه . هذا لفظ البخاري بحرفيته في الرواية الأولى وكذا مسلم مع اختلاف يسير .