تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 3 ] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في أول آيات الحج الماضية آنفا مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلما لمن سأل : هل سأل المخاطبون بذلك عنهما ؟
يَسْئَلُونَكَ ما ذا
أي أيّ شيء
يُنْفِقُونَ
من الأموال . وقال الحرالي : لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في الأزمان كان انتظام خطابه متراجعا بين خطاب دين يتلقى عن اللّه وبين إقامة بحكم يكون العبد فيه خليفة اللّه في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في إيصال فضله ، لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها ، فكان في طي ما تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق ، وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ينفق ، لأن المنفق هو الفضل كله ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا ابن آدم ! إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك » « 1 » ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة ، لم يستأذن الصديق رضي اللّه تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي اللّه عنه حين أتى بشطر ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن بن عوف رضي اللّه تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه ؛ فكان في هذا السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن اللّه رحيم لكان جوابهم : تنفقون الفضل ، فكان يقع واجبا ولكن اللّه لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق وأبهم
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 1036 ح 97 والبيهقي في السنن 4 / 181 والشعب 3386 كلاهما من حديث أبي أمامة ، وتمامه : ولا تلام على كفاف وابدأ بمن تقول واليد العليا خير من اليد السفلى . هذا لفظ مسلم والبيهقي .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 399 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي