انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني اللّه لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها وتعملوا بها ، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها : ما أحكم هذا الشعب العظيم ! وما أحسن فهمه ! أي شعب عظيم إلهه قريب منه مثل اللّه ربنا فيما دعوناه ! وأي شعب عظيم له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم ! ولكن احتفظوا واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام اللّه ربكم في حوريب يوم قال الرب :
اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضا وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل نارا يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار ، كنتم تسمعون صوت الكلام ولم تكونوا ترون شبها ، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات . وكتبها على لوحين من حجارة ، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جدا لأنكم لم تروا شبها في اليوم الذي كلمكم اللّه ربكم من الجبل من النار ، احتفظوا ، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناما وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض ، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها ، التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت السماء ؛ فأما أنتم فقربكم اللّه وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثا كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى :
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ
[ البقرة : 60 ] فكان الرجوع إلى قص ما يريد اللّه سبحانه وتعالى من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء رضي اللّه تعالى عنه قال : « كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر ؛ فلما أصبح أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن » « 1 » . وعن عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنه « أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس ، فسكت وسكنت ، ثم قرأ فجالت ، فانصرف ؛ فلما أصبح حدث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال : فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت حتى لا أراها ، قال : وتدري ما
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4839 و 5011 ومسلم 795 كلاهما عن البراء بن عازب به .