تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
سَلْ ،
استنطاقا لحالهم لا لإنبائهم وإخبارهم ، فالتفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يشهده اللّه من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحدا فيخبره ؛ انتهى - كذا قال ، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب ، كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا ، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة عليهم وغير هذا من الفوائد . ولما كان التقدير : فكانوا إذا بدلوا شيئا من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا عقابهم ، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه قوله :
وَمَنْ يُبَدِّلْ
من التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما كان
نِعْمَةَ اللَّهِ
أي الذي لا نعمة إلا منه التي هي سبب الهدى فيجعلها سببا لضلال أو سببا لشكر فيجعلها سبب الكفر كائنا من كان . قال الحرالي : وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة اللّه وتبديلها - انتهى . ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه والجامد الغبي يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت قال تعالى :
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
أي وتمكن من الرسوخ في علمها تنبيها على أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان . ولما كان التقدير : يهلكه اللّه ، علله بقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ
أي العظيم الشأن
شَدِيدُ الْعِقابِ *
وهو عذاب يعقب الجرم ، وذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات ، قال في أوائل السفر الخامس من التوراة : فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم اللّه رب آبائكم ، لا تزيدوا على الوصية التي أوصيكم بها ، قد رأيتم ما صنع اللّه ببعلصفون من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه اللّه ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم اللّه ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم ،
هامش
- والطيالسي 2178 وأحمد 3 / 84 - 89 وابن حبان 6703 : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضبّ لسلكتموه . قلنا : يا رسول اللّه ، اليهود والنصارى . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فمن ؟ ومن حديث أبي واقد الليثي أخرجه عبد الرزاق 20763 وأحمد 5 / 218 والحميدي 848 والترمذي 2180 .