النفي للإثم عن القسمين لمن
اتَّقى
من أهلهما فأدار أفعاله على ما يرضي اللّه . ولما كان التقدير : فافعلوا ما شئتم من التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أي الذي له الإحاطة الشاملة . ولما كان الحج حشرا في الدنيا والانصراف منه يشبه انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقا إلى الجنّة وفريقا إلى السعير ذكرهم بذلك بقوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ
جميعا
إِلَيْهِ
لا إلى غيره
تُحْشَرُونَ *
بعد البعث ، والحشر الجمع بكره ، وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف ، فاعلموا لما يكون سببا في انصرافكم منه إلى دار كرامته لا إلى دار إهانته .
قال الحرالي : وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزودا كخروج الميت من الدنيا متزودا بزاد العمل ، ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجردا كانبعاثه من القبر متعريا ، وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ
[ القمر : 80 ] كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم اللّه في الآخرة التي هي الجنة ، والشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل اللّه لأهل الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين ، فلأجل ذلك كان أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى . وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى من بيان قواعد الإسلام الخمس : الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج ، المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة :
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 3 ] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقا للصوم بعد ذكره سابقا عليه ، ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى في روايات حديث ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما في الصحيح « بني الإسلام على خمس » « 1 » .
ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم يذكره والراغب في الآخرة فقط ، وكل من الأقسام تارة يكون مسرّا وتارة يكون معلنا وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعا بادىء بدء بذلك الأمر مقصودا بالتهديد بالحشر وساقه
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري ( 8 ) ومسلم 16 ح 22 والترمذي 2609 والنسائي 8 / 107 والحميدي 703 وأحمد 4 / 26 - 93 - 120 وابن منده في الإيمان 41 و 42 و 43 و 149 و 150 وابن حبان 158 و 1446 والبيهقي 1 / 358 والبغوي ( 6 ) وأبو عبيد في كتاب « الإيمان » ص 59 والآجري في الشريعة ص 106 وصححه ابن خزيمة 308 و 309 كلهم من حديث ابن عمر وتمامه : « شهادة أن لا إله إلا اللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وحجّ البيت » .