تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في الإفصاح - انتهى . وعبر عن الحرم بالمسجد إجلالا وتعظيما لما قرب من الحرم ، كما عظم الحرم بقربه من المسجد ، وعظم المسجد بمجاورة الكعبة ؛ لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور ، ولدورهم أفنية ، وحول تلك الأفنية بيوت خواصهم ؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقا بين خاصة الملك وغيرهم . ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها . قال الحرالي : لما تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى . ولما كان من الأوامر ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ البقرة : 196 ] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله :
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[ البقرة : 196 ] شديدا على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله :
وَاتَّقُوا
أي فافعلوا جميع ذلك واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهرا وباطنا واتقوا
اللَّهَ
أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية ، وأكد تعظيم المقام بالأمر بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد عقابه بخشية مما مضى فقال :
وَاعْلَمُوا
تنبيها على أن الباعث على المخافة إنما هو العلم ،
أَنَّ اللَّهَ
أي الذي لا يداني عظمته شيء
شَدِيدُ الْعِقابِ
وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق ؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده من النهي عن الرفث وما في حيزه ، ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل الختم لاح له الابتداء . قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح في الباب الخامس في تنزلات القرآن بحسب الأسماء : اعلم أن خطاب اللّه يرد بيانه بحسب أسمائه ويجمعها جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما يتفصل إليه من الأسماء القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز الحكيم الذي يختم به آيات الأحكام
نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[ المائدة : 38 ] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من الأسماء من معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات الرحمة
وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
[ الأحزاب : 73 ] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به بناؤها ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ، ثم ما توجد آياته وجدانا في النفس وهي