تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
بعضنا لبعض سرا دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا في أموالنا ! فأنزل اللّه هذه الآية ، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو » « 1 » وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي اللّه تعالى عنه
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
قال : نزلت في النفقة » « 2 » . ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه وبأن اللّه لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل اللّه من أعلى خلال الإيمان قال تعالى :
وَأَحْسِنُوا
أي أوقعوا الإحسان على العموم بما أفهمه قصر الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا باللّه الحسن الجميل ، وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم
إِنَّ اللَّهَ
الملك العظيم
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا يحب المعتدين . قال الحرالي : فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء في القتل وأن يقع الإحسان في المال ، وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها ، فكما كان أمر المهاجرين أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا ، فما خرج المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه ، فكان إعراضهم تابعا لترك المهاجرين أموالهم . ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل اللّه لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل اللّه اسما يقع على الحج كما يقع على الجهاد كما ورد في الحديث « الحج من سبيل اللّه » رجع إلى الحج والعمرة المشير إليهما
مَثابَةً لِلنَّاسِ
[ البقرة : 125 ] و
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه أبو داود 2512 والترمذي 2972 والنسائي 6 / 11028 و 11029 في الكبرى ، والطيالسي 599 والحاكم 2 / 275 والطبري 3179 و 3180 وابن حبان 4711 والبيهقي 9 / 99 كلهم عن أسلم أبي عمران عن أبي أيوب به . صححه الحاكم على شرطهما ، ووافقه الذهبي ، وكذا صححه الترمذي ، وهو كما قالوا . ( 2 ) موقوف صحيح . أخرجه البخاري 4516 بسنده عن حذيفة . قلت : وأكثر الناس في أيامنا يظن أن التهلكة هي الجهاد في سبيل اللّه ، أو العمل لنصرة دين اللّه إن كان محفوفا بالمخاطر . أو الشدة في دين اللّه ، وذلك بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر خصوصا إن كان على مستوى الحكام ، والأمراء ، والقادة . ونسي هؤلاء ما قاله أبو أيوب إن التهلكة إنما هي في ترك الجهاد وفي ترك الإنفاق في سبيل اللّه ، وفي ترك الحاكم الفاسق يفعل ما يشاء نسأل اللّه أن يفقهنا أمور ديننا ، وأن يردنا إلى دينه إنه سميع مجيب الدعاء .