فَمَنْ بَدَّلَهُ
أي الإيصاء الواقع على الوجه المشروع أو الموصى به بأن غير عينه إن كان عينيا أو نقصه إن كان مثليا . وقال الحرالي : لما ولي المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى عنهم التهديد لمن بدل عليهم ، وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير وقع في حق الوصية فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل المال حظا للمتوفى ، فلما فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول ، وبين أن الفرض عين الوصية فلا وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى .
بَعْدَ ما سَمِعَهُ
أي علمه علما لا شك فيه ، أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا إثم ، وأكد التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله :
فَإِنَّما إِثْمُهُ
أي التبديل
عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
بالفعل أو التقدير لا يلحق الموصى منه شيء . ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال ونيات حذر بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
أي المحيط بجميع صفات الكمال
سَمِيعٌ
أي لما يقوله كل منهما
عَلِيمٌ *
بسره وعلنه في ذلك ، فليحذر من عمل السوء وإن أظهر غيره ومن دعاء المظلوم فإن اللّه يجيبه .
ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان الموصي ربما جار في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله :
فَمَنْ خافَ
أي علم وتوقع وظن ، أطلقه عليه لأنه من أسبابه ، ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه يقنع فيه بالظن
مِنْ مُوصٍ جَنَفاً
أي ميلا في الوصية خطأ
أَوْ إِثْماً
أي ميلا فيها عمدا . قال الحرالي : وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - انتهى .
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ
أي بين الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر ، أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته إن خيف من وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه .
وقال الحرالي : وفي إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد قرار الوصية على جنف بعد الموت ، فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب ، وفي إيقاع الإصلاح على لفظة « بين » إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن فأصلح بينه وبينهم - انتهى .
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أي بهذا التبديل . ولما كان المجتهد قد يخطئ فلو أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه اللّه سبحانه عليه بتعليل رفع الإثم بقوله إعلاما بتعميم الحكم في كل مجتهد :
إِنَّ اللَّهَ
أي المختص بإحاطة العلم
غَفُورٌ
أي لمن قصد خيرا فأخطأ
رَحِيمٌ *
أي يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم .
ولما أباح سبحانه الأكل مما خلقه دليلا على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة