ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم هذا التحريم عن المضطر ، ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ من كلية الأحكام بل يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال :
فَمَنِ اضْطُرَّ
أي أحوجه محوج وألجأه ملجىء بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على التلف فأكل من شيء منه حال كونه
غَيْرَ باغٍ
أي قاصد فسادا بمكيدة يكيد بها لضعفه آخذا من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعا منه ليستأثر عليه بالأحسن منها
وَلا عادٍ
على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه عنها ، ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة ؛ ويدخل في الآية أن من بغى على إمام أو قصد بضربه في الأرض فسادا أو عدا على أحد ظلما فحصل له بسبب ذلك مخمصة لا يحل له ما كان حراما لأن في ذلك إعانة له على معصيته ، فإن تاب استباح
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
لا من التحريم الأول ولا من الحكم الآخر ، ولو كان رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله لا يحل لغير المضطرين ، فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين ، ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم الكتاب في إقامته ؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله مضرة ، لأن اللّه سبحانه وتعالى إذا أباح شيئا أذهب ضره « إن اللّه لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها » « 1 » ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييبا في الباطن ، فكما رفع عنه حكمها الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي .
ثم علل هذا الحكم مرهبا مرغبا بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
فأتى بهذا الاسم المحيط إشارة
هامش
- ترجمه البخاري 3 / 33 وابن أبي حاتم 3 / 235 فلم يذكرا فيه جرحا ، ولا تعديلا .
وذكره ابن حبان 4 / 163 في الثقات .
وقال الهيثمي في المجمع 5 / 86 : ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا حسان بن مخارق وقد وثقه ابن حبان ا ه . وله شاهد من حديث ابن عباس موقوفا عليه .
( 1 ) أخرجه الطبراني 9714 و 9716 وابن أبي شيبة 7 / 23 والحاكم 4 / 218 والبيهقي 10 / 5 وأحمد في الأشربة 159 ولفظه : « اشتكى رجل منا فبعث إليه السكر ، فأتينا عبد اللّه ، فسألناه فقال : إن اللّه لم يجعل شفاكم ، فيما حرم عليكم » .
وورد في حديث أم الدرداء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن اللّه خلق الداء والدواء ، فتداووا ، ولا تتداووا بحرام » .
أخرجه الطبراني 24 / 649 والدولابي في الكنى 2 / 38 وقال الهيثمي في المجمع 5 / 86 : رواه الطبراني ورجاله ثقات .