تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك الجواد « دعوا الناس يرزق اللّه بعضهم من بعض » . فلما كان ذلك لا يتم إلا بمعرفة اللّه سبحانه وتعالى المخلف على من أنفق كما قال
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ
نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
فقيل لهم : كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون ؛ فمن عرف اللّه بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف اللّه بالإنعام والإحسان هان عليه أن يحسن وهو شكره للّه ، من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى . ولما قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب فبين صريحا ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ما عداه وأنه كثير جدا ليزداد المخاطب شكرا فقال :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ .
وقال الحرالي : ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات الشيطان فقال :
إِنَّما حَرَّمَ
[ البقرة : 173 ] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاما بأن الذي أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ذواتهم ظاهرها وباطنها ، لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علوا كالبلد الحرام وتحريم الأمر ، أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات ، ففي كلمة « إنما » نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلا يقول : حرم كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه ، فكان الإفهام لرد تلك المحرمات كلها - انتهى . فالمعنى واللّه سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله اللّه وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه اللّه سبحانه وتعالى ولم يحرم اللّه عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية ؛ وإذا راجعت ما في قوله سبحانه وتعالى في الأنعام
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 118 ] وقوله
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ
[ الأنعام : 121 ] وقوله
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
[ الأنعام : 145 ] من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية . وقال
الْمَيْتَةَ
أي التي سماها بذلك أهل العرف ، وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة شرعية وهو مما يذكى . قال الحرالي : وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ذبول القوة وفناء الحياة ، وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها .
وَالدَّمَ
أي الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء ، فهو ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلّا من طيب اللّه كليته كما في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وفيمن
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 316 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي