المستقيم عوضا من تناشدكم الأشعار . قال الحرالي : وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر العين الذي عليه جبلت العرب ، لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها ، فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ذلك لها في كلام هو كلام ربها . فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه من إيثار السماع على العين بخلاف ما عليه سائر الأمم ؛ ثم قال : وفيه إغناء العرب عن إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكاما ، فكان في تلاوة الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد وتولي اللّه ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه ، ففضل علماء العرب على سائر العلماء كفضل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على معلمهم ممن سواه صلّى اللّه عليه وسلّم . انتهى .
ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو التوجه إلى البيت للصلاة وكانت الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس قدم قوله :
وَيُزَكِّيكُمْ
أي يطهركم في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم الحق وإفشاء الباطل المثمر مع الضلال للإضلال . قال الحرالي : أنبأهم بأن هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان ، فكما تتنامى أجسادهم بماء المزن وما منه فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات ، وذلك زكاؤها ونماؤها ، لتتأكد فيه رغبتهم ، لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا تحققه ، فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها ، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها ، كما أن البدن إذا قوي بالغذاء تمكن مما شأنه عمله - انتهى .
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ
المقيم للدين والدنيا . قال الحرالي : أي الفقه فيه
وَالْحِكْمَةَ
دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى . قال الحرالي : فخص تعليم الحكمة من عموم تعليم الكتاب ، لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال عقل ، لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح وفي تكملة الكتاب والحكمة بكلمة « أل » إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون . ثم قال : وبذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم يتكلم في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك الخلق نحو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « استاكوا