تفكرهم في فائتهم ، وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى .
ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين نابذوه بقوله :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
قال الحرالي : هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها اللّه عز وجل علما على غيب عهده وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما قال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ
[ الشورى : 29 ] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره وجعل في العقل نورا يقرأ به كتابه ، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار ، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان ، وإما صاحب نار ، فقال :
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا
لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبّل الإيمان بتنزيل الأمر اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة ، فكفروا بما رأوا فكانوا عميا ، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صمّا - انتهى . والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب والألسنة
أُولئِكَ
أي البعداء البغضاء
أَصْحابُ النَّارِ
وبين اختصاصهم بالخلود بقوله :
هُمْ فِيها خالِدُونَ
فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم على فوات الجنة ، فالآية من الاحتباك ، انتفاء الخوف والحزن من الأول دال على وجودهما في الثاني ، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود الجنة في الأول ، وقد علم من ذلك مع قوله
مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
أنه لا بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها ! فكأنه جواب سائل قال : هل بعد هذا الهبوط من صعود ؟ قال الحرالي : وقوله :
هُمْ
فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغة إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم ، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون « الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم » « 1 » والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله . فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها ، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا عيانها ، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا وفي الآخرة عيانا وفي القبر عرضا
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
[ التكاثر : 6 ، 7 ]
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
[ غافر : 46 ]
هامش
( 1 ) ورد من ذلك حديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « الذي يشرب آنية الذهب ، والفضة إنما يجرجر في جوفه نار جهنم » أخرجه البخاري 5634 ومسلم 2065 وابن ماجة 3413 والدارمي 2 / 121 وابن حبان 5341 ، 5342 والطبراني 23 / 633 و 6355634 ، 927 والبيهقي 1 / 27 ومالك 2 / 994 ، 925 والطيالسي 1601 وأحمد 6 / 300 ، 301 ، 302 ، 304 كلهم من حديث أم سلمة .