في غير موضعه كمن يمشي في الظلام ؛ وفي هذا النهي دليل على أن هذه السكنى لا تدوم ، لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ولا أن يؤمر ولا ينهى ، ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد ، ولا داعي لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 36 إلى 39 ]
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 37 ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 39 )
ثم بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه فقال :
فَأَزَلَّهُمَا
« 1 » ، قال الحرالي : من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار ، وأزالهما من الزوال وهو التنحية عن المكان أو المكانة وهو المصير بناحية منه ؛
الشَّيْطانُ
هو مما أخذ من أصلين : من الشطن وهو البعد الذي منه سمي الحبل الطويل ، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن ، فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان وملائكة
عَنْها
أي عن مواقعة الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت كقولهم : رميت عن القوس - انتهى .
هامش
( 1 ) قال القرطبي في تفسيره 1 / 311 : دل على هذا قوله تعالىإِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُواوقوله :فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُوالوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية ، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان إنما قدرته على إدخاله في الزلل فيكون ذلك سببا إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه ، وقد قيل : إن معنى أزلهما من زلّ عن المكان إذا تنحى فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال ، ويذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السّلام في الجنة ، فخانته بأن مكنت عدو اللّه من نفسها ، وأظهرت له العداوة هناك ، وروي أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة ، وأنت في ذمتي ، فلما أهبطوا إلى الأرض قيل لها : أنت عدوّ بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك .
وأخرج أبو داود من حديث ابن مسعود : « اقتلوا الحيات كلهن ، فمن خاف ثأرهن ، فليس مني » وما كان من الحيات في البيوت ، فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام لقوله عليه السّلام « إن بالمدينة جنا قد أسلموا ، فإذا رأيتم منهم شيئا ، فآذنوه ثلاثة أيام » وقال مالك : نهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد ، وهو الصحيح ا ه القرطبي بتصرف .