تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( 28 ) [ الأنعام : 28 ] يحتج بها على أن اللّه - عزّ وجل - يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون على تقدير لو كان كيف كان يكون ، وهو كذلك ، والاستدلال مطابق ، وأصله معرفة كيفية علم الغيب ، وهو واضح ، لكن شرطه لا يوجد إلا في اللّه - عزّ وجل - فلذلك استبد به سبحانه وتعالى ، وأما في هذه المسألة الخاصة ، فلأنه - عزّ وجل - علم أنهم بموجب طباعهم وفطرهم التي فطرهم عليها / [ 74 ب / م ] من الأشر والبطر والاستكبار عن الحق وغلبة الشهوات والأهواء عليهم لو ردوا من عذاب الآخرة إلى / [ 158 / ل ] الدنيا لعادوا إلى كفرهم ، مع أنه ينسيهم أمر المعاد واليوم الآخر وما جرى لهم في النار ، ومثل هذا واقع في الدنيا كثيرا ، وهم المفسدون واللصوص ، ونحوهم إذا ظفر بهم ، ليقتلوا أو يقطعوا ، أعطوا التوبة من فسادهم ، فإذا تركوا عادوا إلى شر مما كانوا عليه ، وكذلك لو فرض أن الحية أو الفأرة تابت عند القتل من اللدغ والفساد لعلم كذبها ؛ وأنها إن ردت عادت لغلبة طبعها الفطري عليها .
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
( 29 ) [ الأنعام : 29 ] وفي آية أخرى
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
( 37 ) [ المؤمنون : 37 ] اعلم أن الناس اختلفوا في المعاد ، فمنهم من أثبت المعاد الجسماني والروحاني وهم المسلمون ومن تابعهم ، و [ منهم ] من أثبت الروحاني دون الجسماني وهم الفلاسفة والنصارى ، ومنهم من أنكرهما جميعا وهم هؤلاء الدهرية الملحدة ؛ قالوا : ما يهلكنا إلا الدهر فهو باق بعدنا ، ولا رجعة لنا . وتوقف جالينوس في هذه المذاهب . أم المعاد الجسماني دون الروحاني فلم نعلم به قائلا ؛ لاستحالته وقد قرر اللّه - عزّ وجل - براهين المعاد في مواضعها ، ونحن الآن إن شاء اللّه - عزّ وجل - نشير إليها جملة لتعرف ، ثم نذكرها مفصلة كلما مررنا بشيء منها ، وهي على أضرب أحدها : قياس الإعادة على الابتداء نحو :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( 29 ) [ الأعراف : 29 ] .
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
( 104 ) [ الأنبياء : 104 ] ،
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ