تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
تعدل فينا ؛ ولو فوضت أعمالنا إلينا لقمنا من طاعتك بما علينا - أخفى عنهم طريق الجبر بلطيف حكمته ؛ ليقيم عليهم بالغ حجته ؛ وذلك بأن خلق فيهم أفعالهم بواسطة مشيئاتهم ، فظنوا أنهم لها خالقون ، وإنما هم بلطيف الحكمة وعظيم القدرة مجبورون غالطون ، وذلك اللبس عليهم من شؤم اعتراضهم ، ولو سلموا الأمر لرب الأمر ، لكشف لهم عن حقيقة الأمر . وتقرير ذلك أنه - عزّ وجل - إذا شاء من عبده فعلا ، خلق له مشيئة ذلك الفعل ، ثم خلق ذلك الفعل على أدوات العبد ، موافقا لإرادته . وهذا مستفاد من قوله - عزّ وجل - :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 29 ) [ التكوير : 29 ] فمشيئة اللّه - عزّ وجل - سبب مؤثر أبعد ، ومشيئة العبد سبب مقارن أقرب . فالقدري نظر إلى المقارن لقربه ، والجبري نظر إلى المؤثر ، ولم يمنعه من ذلك بعده ، فكان نظره أسدّ . وعلى هذا ، فنسبة فعل العبد إلى الرب - عزّ وجل - شبيه بنسبة التالي إلى المقدم في الشرطية اللزومية ؛ نحو : « إن كانت الشمس طالعة فالعالم مضيء » ، ونسبته إلى العبد نسبة التالي إلى المقدم في / [ 5 أ / م ] الشرطية الاتفاقية ؛ نحو : « إن كان الإنسان ناطقا فالفرس صاهل » . إذ اللّه - عزّ وجل - مؤثر في الفعل على جهة الغلبة ، والعبد ليس له منه إلا وقوعه مقارنا له على جهة الاتفاق ؛ ولهذا تراه ربما أراد الفعل وسعى فيه فلا يقع ، وربما كرهه وتحرز منه فيقع ؛ فدل على أن المؤثر فيه غيره ، وإنما العبد واسطة / [ 9 / ل ] لإقامة الحجة عليه . وأما ما احتج به المعتزلة ، فراجع [ إما ] إلى التحسين والتقبيح العقلي ، وهو ممنوع ، أو إلى دعوى الضرورة في غير موضعها ، وهو مكابرة .

وقد بقي الكلام بين الجبرية والكسبية :

فقالت المجبرة : اتفقنا وإياكم على أن اللّه - عزّ وجل - هو خالق فعل العبد ، وادعيتم أن هناك للعبد كسبا ، ونحن ننكره ، فعليكم إثباته ، ولا سبيل لكم إليه ؛ لأن اللّه - عزّ وجل - إذا خلق في العبد فعلا وقضى عليه بأمر : فإما أن يكون للعبد قدرة على التخلص من ذلك الأمر بألا يقع منه ، أو لا يكون : فإن كان له قدرة على ذلك كانت قدرته أغلب من قدرة الرب - عزّ وجل - ومشيئته أنفذ من مشيئته ؛ فيكون أولى بالربوبية ؛ وحينئذ يصير العبد ربا والرب عبدا ، وإنه محال . وإن لم يكن له قدرة على ذلك كان الفعل منه واجبا بمجرد الخلق ولا أثر للكسب ؛ فسقط اعتباره ، ولأن الكسب الذي تدعونه : إما مخلوق للعبد ، وهو خلاف مذهبكم ؛ إذ