تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
أما اليهود فادعوه على جهة التشفي بالمسيح حيث بدل دين التوراة ، وأحل السبت ونحو ذلك . وأما النصارى فادعوه على جهة المرتبة للمسيح والتشنيع على اليهود بقتل داع إلى الحق ، واحتجوا بأن التواتر ثابت بين اليهود والنصارى والمجوس على قتل المسيح وصلبه قبل ظهور ملة الإسلام ، وهو سبب العداوة بين اليهود والنصارى ، وبأن قتل المسيح ثابت في الإنجيل المتواتر ، وكل ما ثبت في الإنجيل المتواتر فهو حق ثابت في نفس الأمر . أما أنه ثابت في الإنجيل فمشاهد بالعيان لمن نظر فيه . وأما أن الإنجيل متواتر فلإطباق النصارى عليه في شرق الأرض وغربها كإطباق المسلمين على القرآن ، وأما أن ما ثبت في المتواتر فهو حق ؛ فلأن التواتر يفيد العلم قطعا ، وأيضا فلأن الإنجيل معصوم ، وما ثبت في الكتاب المعصوم فهو حق . احتج المسلمون بوجهين : أحدهما : أن نفي قتل المسيح ثابت في القرآن المعصوم ، وكل ما ثبت في القرآن المعصوم فهو حق معصوم ؛ فنفي قتل المسيح حق معصوم ، أما أن نفي قتله ثابت في القرآن ، فلهذه الآية
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
[ النساء : 157 ] وأما أن القرآن معصوم فلقيام البرهان على أنه كلام اللّه - عزّ وجل - وكلام اللّه - عزّ وجل - معصوم . وأما أن ما ثبت في المعصوم معصوم ؛ فلأنه جزء من المعصوم ، وجزء المعصوم معصوم ، فثبت بذلك نفي قتل المسيح ، فلو ثبت قتله مع ذلك لاجتمع النقيضان ، وأنه محال . / [ 56 أ / م ] الوجه الثاني : أن قتل المسيح لو ثبت لتواتر قتله ، كتواتر مولده ، ودعواه التي ادعاها ، واللازم باطل فالملزوم كذلك . بيان الملازمة أن قتل المسيح بعد ظهور أمره وانتشار دعوته ، وظهور الخوارق على يده أمر شنيع جدا في العقول والطباع ، كما أن ولادته من غير أب أمر غريب في العادات والعقول ، فلو كان لقتله أصل لوجب اشتهاره اشتهارا مساويا لولادته ، ولو اشتهر كذلك لتواتر كتواتره لقضاء العادات بتواتر المشهورات . بيان انتفائه اللازم أنه لو تواتر قتله كتواتر مولده لما اختلف فيه كما لم / [ 120 / ل ] يختلف في مولده ، لكن رأينا الخلاف وقع في قتله ، ولم يقع في مولده ودعوته ، فدل على أن قتله لم يتواتر ، وإلا لكان أحد المتواترين المتساويين في القوة مختلفا فيه دون الآخر ، وأنه محال . وحاصل هذا الدليل أن تواتر قتله لازم [ لقتله ، واللازم منتف فالقتل منتف ، وإنما قلنا :