العامة على « يوحي » بالياء من تحت مبنيا للمفعول ، وقرأ حفص
« نُوحِي »
بالنون مبنيا للفاعل ، اعتبارا بقوله :
« وَما أَرْسَلْنا »
، وكذلك قرأ ما في النحل وما في أول الأنبياء ، ووافقه الأخوان على قوله
« نُوحِي إِلَيْهِ »
في الأنبياء على ما سيأتي - إن شاء اللّه تعالى - والجملة صفة ل
« رِجالًا »
، و
« مِنْ أَهْلِ الْقُرى »
صفة ثانية ، وكان تقديم هذه الصفة على ما قبلها أكثر استعمالا ، لأنها أقرب إلى المفرد وقد تقدم تحريره في المائدة « 1 » .
[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 110 ]
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 )
قوله :
حَتَّى .
في الكلام شيء يكون
« حَتَّى »
غاية له ، فمن ثمّ اختلف الناس في تقدير شيء يصح تغييته ب
« حَتَّى »
- فقدره الزمخشري : وما أرسلنا من قبلك إلّا رجالا فتراخى نصرهم حتى . وقدره القرطبي : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ، فدعوا قومهم فكذبوهم وطال دعاؤهم وتكذيب قومهم حتى إذا ، وأحسنها ما قدمته ، وتصيد ابن عطية شيئا من معنى قوله :
« أَ فَلَمْ يَسِيرُوا »
، فقال : « ويتضمن قوله » :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا
إلى
مِنْ قَبْلِهِمْ
أن الرسل الذين بعثهم اللّه من أهل القرى دعوهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات فصيروا في حيز من يعتبر بعاقبته ، فلهذا المتضمن حسن أن تدخل
« حَتَّى »
في قوله
« حَتَّى إِذَا »
.
قال الشيخ « 2 » : ولم يتلخص لنا من كلامه شيء يكون ما بعد حتى غاية له ، لأنه علق على الغاية بما ادعى أنه فهم ذلك من قوله :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا . . .
الآية . قلت : وقوله : دعوهم فلم يؤمنوا ، هو المعنى . قوله :
كُذِبُوا
قرأ الكوفيون
« كُذِبُوا »
بالتخفيف ، والباقون بالتثقيل ، فأما قراءة التخفيف ، فاضطربت أقوال الناس فيها ، وروي انكارها عن عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : معاذ اللّه ، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها ، وهذا ينبغي ألّا يصح عنها لتواتر هذه القراءة ، وقد وجهها الناس بأربعة أوجه :
أجودها : أن الضمير في
« وَظَنُّوا »
عائد على المرسل إليهم لتقدمهم في قوله :
« كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ »
ولأن الرسل تستدعي مرسلا إليه ، والضميران في
« أَنَّهُمْ »
و
« كُذِبُوا »
عائدان على الرسل ، أي : وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا ، أي : كذبهم من أرسلوا إليهم بالوحي وبنصرهم عليهم .
الثاني : أن الضمائر الثلاثة عائدة على الرسل ، وقال الزمخشري : « في تقدير هذا الوجه : حتى إذا استيأسوا من النصرة »
« وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا »
، أي : كذبتهم أنفسهم حين حدثتهم ، بأنهم ينصرون ، أو رجاؤهم كقولهم :
رجاء صادق ، ورجاء كاذب . والمعنى : أنّ مدة التكذيب والعداوة من الكفار ، وانتظار النصر من اللّه ، وتأميله قد تطاولت عليهم وتمادت حتى استشعروا القنوط وتوهموا ألا نصر لهم في الدنيا ، فجاءهم نصرنا انتهى » . فقد جعل الفاعل المقدر إما أنفسهم وإما رجاؤهم ، وجعل الظن بمعنى : التوهم فأخرجه عن معناه الأصلي وهو يرجح أحد الطرفين وعن مجازه وهو استعماله في المتيقن .
هامش
( 1 ) آية : رقم ( 54 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 354 ) .