تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
ب
« مَنَّ »
الموصولة ، ثم لم يعتبر هذا الشبه في قوله :
« وَيَصْبِرْ »
فلذلك جزمه ، إلّا أنه يبعد من جهة أن العامل لم يؤثر فيما بعده ، ويليه ويؤثر فيما هو بعيد منه ، وقد تقدم الكلام في مثل هذه المسألة أول السورة ، في قوله :
« يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ »
. وقوله :
« فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ »
الرابط بين جملة الشرط وجوابها إما العموم في
« الْمُحْسِنِينَ »
، وإما الضمير المحذوف ، أي : المحسنين منهم ، وإما لقيام « أل » مقامه ، والأصل : محسنيهم فقامت « أل » مقام ذلك الضمير .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 91 إلى 95 ]

قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ ( 91 ) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 92 ) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ( 93 ) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ ( 94 ) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ ( 95 ) قوله :
آثَرَكَ .
أي : تفضل عليك ، والإيثار : التفضيل بجميع أنواع العطايا ، وأثره يؤثره إيثارا ، وأصله : من الأثر ، وهو تتبع الشيء ، فكأنه يستقصي أنواع المكارم . وفي الحديث : « سيكون بعدي أثره » ، أي : يستأثر بعضكم على بعض ، ويقال : استأثر بكذا ، أي : اختصّ به ، واستأثر اللّه بفلان ، كناية عن اصطفائه له ، قال : 2854 -
واللّه أسماك سمى مباركا * آثرك اللّه به إيثاركا « 1 »
قوله :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ
يجوز أن يكون خبرا ل
« لا »
، و
« الْيَوْمَ »
يحتمل : أن يتعلق به هذا الخبر ، أي : لا تثريب مستقر عليكم اليوم ، ويجوز أن يكون
« الْيَوْمَ »
خبر
« لا »
و
« عَلَيْكُمُ »
متعلق بما تعلق به هذا الظرف ، ويجوز أن يكون
« عَلَيْكُمُ »
صفة لاسم
« لا »
، و «
الْيَوْمَ
» خبرها أيضا ، ولا يجوز أن يتعلق كل من الظرف والجار 1 ب
« تَثْرِيبَ »
، لأنه يصير مطولا شبيها بالمضاف ، ومتى كان كذلك أعرب ونوّن نحو : « لا خيرا من زيد عندك » ويرد عليه الظرف بأنه يلزم الفصل بين المصدر المؤول بالموصول ، ومعموله بأجنبي ، وهو
« عَلَيْكُمُ »
، لأنه إما خبر وإما صفة ل
« تَثْرِيبَ »
. وقد جوز الزمخشري أن يكون الظرف متعلقا ب
« تَثْرِيبَ »
، فقال : فإن قلت ، بم يتعلق
« الْيَوْمَ »
؟ قلت : بالتثريب أو بالمقدر في
« عَلَيْكُمُ »
من معنى الاستقرار ، أو ب
« يَغْفِرُ »
. قلت : فجعله أنه متعلق ب
« تَثْرِيبَ »
، وفيه ما تقدم . وقد أجرى بعضهم الاسم العامل مجرى المضاف ، لشبهه به فنزع ما فيه من تنوين ، وجعل الفارسي من ذلك قول الشاعر : 2855 -
أراني ولا كفران للّه أيّة * لنفسي وقد طالبت غير منيل « 2 »
قال : فإنه منصوب ب « كفران » ، أي : لا أكفر اللّه رحمة لنفسي ، ولا يجوز أن ينصب « أيّة » ب « أويت » مضمرا ، لئلا يلزم الفصل بين مفعولي « أرى » بجملتين أي ب « لا » وما في حيزها وب « أويت » المقدرة ومعنى أويت رققت وجعل منه الشيخ جمال الدين بن مالك ما جاء في الحديث : « لا صمت يوم إلى اللّيل « 3 » » برفع « يوم » على
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) أخرجه البيهقي ( 6 / 57 ) ، ( 7 / 461 ) ، وعبد الرزاق في المنصف ( 11450 ) ، و ( 13899 ) ، ( 15919 ) ،