قلت : قد تقدم انكار أبي علي ، على جواز إلّا في مثل هذا التركيب ، فكيف يجوز
« لَمَّا »
التي بمعناها ؟ وأما قراءة ابن عامر وحمزة وحفص ففيها وجوه :
أحدها : أنها
« إِنَّ »
المشددة على حالها ، فلذلك نصب ما بعدها على أنه اسمها ، وأما
« لَمَّا »
فالكلام فيها كما تقدم من أن الأصل « لمن ما » بالكسر أو « لمن ما » بالفتح أو « لمن ما » بالفتح وجميع تلك الأوجه التي ذكرتها تعود هنا .
والقول بكونها بمعنى « إلّا » مشكل كما تقدم تحريره عن أبي علي وغيره .
الثاني : قال المازني : « إن » هي المخففة ثقلت وهي نافية بمعنى « ما » كما خففت « أن » ومعناها المثقلة ، و
« لَمَّا »
بمعنى « إلّا » . وهذا قول ساقط جدا لا اعتبار به ، لأنه لم يعهد تثقيل « إن » النافية ، وأيضا ف « كلّا » بعدها منصوب ، والنافية لا تنصب .
الوجه الثالث : أن
« لَمَّا »
هنا هي الجازمة للمضارع ، حذف مجزومها لفهم المعنى .
قال الشيخ أبو عمرو بن الحاجب في أماليه : « لمّا هذه هي الجازمة فحذف فعلها للدلالة عليه ، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم : « خرجت ولمّا ، وسافرت ولمّا » ، وهو سائغ فصيح ، فيكون المعنى : وإن كلّا لمّا يهملوا أو يتركوا ، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين بقوله :
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ،
ثم فصل الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ، ثم بين ذلك بقوله :
لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ .
قال : وما أعرف وجها أشبه من هذا ، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أنّ مثله لم يرد في القرآن ، قال : « والتحقيق يأبى استبعاده » . قلت : وقد نصّ النحويون على أنّ
« لَمَّا »
يحذف مجزومها باطراد ، قالوا : لأنها لنفي قد فعل ، وقد يحذف بعدها الفعل كقوله :
2746 -
أفد التّرحّل غير أنّ ركابنا * لمّا تزل برحالنا وكأن قد « 1 »
أي : وكأن قد زالت ، فكذلك منفية ، وممّن نصّ عليه الزمخشري ، على حذف مجزومها وأنشد يعقوب على ذلك في كتاب معاني الشعر قول الشاعر :
2747 -
فجئت قبورهم بدأ ولمّا * فناديت القبور فلم يجبنه « 2 »
قال : قوله : بدأ ، أي : سيدا . وبدء القوم سيّدهم ، وبدء الجزور خير أنصبائها وقوله : « ولما » أي : ولم أكن سيدا إلّا حين ماتوا ، فإني سدت بعدهم ، كقول الآخر :
2748 -
خلت الدّيار فسدت غير مسوّد * ومن الشّقاء تفرّدي بالسّودد « 3 »
قال : ونظير السكوت على « قد » دون فعلها في قول النابغة :
2749 -
أفد التّرحّل . . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . . البيت « 4 »
قلت : وهذا الوجه لا خصوصية له بهذه القراءة ، بل يجيء في قراءة من شدد
« لَمَّا »
سواء شدد
« إِنَّ »
أو
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) تقدم .