تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
« رَحِمَ »
ضمير مرفوع يعود على اللّه تعالى ، ومفعوله ضمير الموصول ، وهو من حذف لاستكمال الشروط ، والتقدير : لا عاصم اليوم البتة من أمر اللّه ، لكن من رحمه اللّه فهو معصوم . الثاني : أن يكون المراد ب
« مَنْ رَحِمَ »
هو الباري تعالى ، كأنه قيل : لا عاصم إلا الراحم . الثالث : أن
« عاصِمَ »
بمعنى معصوم ، وفاعل قد يجيء بمعنى مفعول نحو :
« ماءٍ دافِقٍ »
أي : « مدفوق » وأنشد : 2687 -
بطيء القيام رخيم الكلا * م فأمسى فؤادي به فاتنا « 1 »
أي : مفتونا ، و
« مِنَ »
مراد بها المعصوم ، والتقدير : لا معصوم اليوم من أمر اللّه إلا من رحمه اللّه ، فإنه يعصم . الرابع : أن يكون
« عاصِمَ »
هنا بمعنى النسب أي : ذا عصمة نحو : لابن وتأمر . وذو العصمة يطلق على العاصم وعلى المعصوم ، والمراد هنا المعصوم ، وهو على هذه التقادير : استثناء متصل . وقد جعله الزمخشري متصلا لمدرك آخر وهو حذف مضاف تقديره : لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد ، وهو مكان من رحمهم اللّه ونجّاهم ، يعني في السفينة . وأما خبر
« لا »
فالأحسن أن يجعل محذوفا ، وذلك لأنه إذا دل عليه دليل وجب حذفه عند تميم ، وكثر عند الحجاز والتقدير : لا عاصم موجود ، وجوّز الحوفي وابن عطية أن يكون خبرها هو : الظرف ، وهو
« الْيَوْمَ »
. قال الحوفي : ويجوز أن يكون
« الْيَوْمَ »
خبرا فيتعلق بالاستقرار ، وبه يتعلق
« مِنْ أَمْرِ اللَّهِ »
وقد رد أبو البقاء ذلك فقال : فأما خبر
« لا »
فلا يجوز أن يكون «
الْيَوْمَ
» ، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن بل الخبر
« مِنْ أَمْرِ اللَّهِ »
، و
« الْيَوْمَ »
معمول
« مِنْ أَمْرِ اللَّهِ »
. وأمّا
« الْيَوْمَ »
و
« مِنْ أَمْرِ اللَّهِ »
فقد تقدم أن بعضهم جعل أحدهما خبرا فيتعلق الآخر بالاستقرار الذي يتضمنه الواقع خبرا . ويجوز في
« الْيَوْمَ »
أن يتعلق بنفس
« مِنْ أَمْرِ اللَّهِ »
لكونه بمعنى الفعل . وجوّز الحوفي أن يكون
« الْيَوْمَ »
نعتا ل
« عاصِمَ »
، وهو فاسد بما أفسد به وقوعه خبرا عن الجنة . وقرىء : « إلّا من رحم » مبنيا للمفعول ، وهي مقوية لقول من يدعي أن
« مَنْ رَحِمَ »
في قراءة العامة به : المرحوم لا الراحم كما تقدم تأويله ، ولا يجوز أن يكون
« الْيَوْمَ »
ولا
« مِنْ أَمْرِ اللَّهِ »
متعلقين ب
« عاصِمَ »
، وكذلك الواحد منهما ، لأنه يكون الاسم مطولا ، ومتى كان مطولا أعرب ، ومتى أعرب نون ولا عبرة بخلاف الزجاج ، حيث زعم أن اسم
« لا »
معرب حذف تنوينه تخفيفا . قوله :
ابْلَعِي .
البلع : معروف ، والفعل منه مكسور العين ومفتوحها « بلع ، وبلع » حكاهما الكسائي والفراء و « الإقلاع » : الإمساك ، ومنه : أقلعت الحمّى . وقيل : أقلع عن الشيء ، أي : تركه ، وهو قريب من الأول . و « الغيض » : النّقصان ، وفعله لازم ومتعد ، فمن اللازم قوله تعالى :
« وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ »
، أي : ينقص . وقيل : بل هو هنا متعد أيضا ، وسيأتي . ومن المتعدي هذه الآية ، لأنه لا يبني للمفعول من غير واسطة حرف الجر ، إلّا المتعدي بنفسه .
هامش
( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 2760 ) ، روح المعاني ( 12 / 90 ) ، اللسان « فتن » .