تقدم . وفي هاتين الجملتين ما يسميه أهل البديع : رد الأعجاز على الصدور كقولهم : « عادات السادات ، سادات العادات » ، ومثله في المعنى قول الشاعر :
1941 - وليس الّذي حلّلته بمحلّل * وليس الذي حرّمته بحرام « 1 »
وقال الزمخشري - بعد كلام قدمه في معنى التفسير - : فإن قلت : أما كفى قوله : « ما عليك من حسابهم من شيء » حتى ضم إليه :
« وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ »
؟ قلت : قد جعلت الجملتان بمنزلة واحدة ، وقصدهما مؤدى واحد ، وهو المعنى بقوله :
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
« 2 » ، ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعا ، كأنه قيل : لا تؤاخذ أنت ، ولا هم بحساب صاحبه » .
قال الشيخ « 3 » . قوله : لا تؤاخذ أنت . . . إلى آخره ، تركيب غير عربي ، لا يجوز عود الضمير هنا غائبا ، ولا مخاطبا ، لأنه إن عاد غائبا فلم يتقدم له اسم مفرد غائب يعود عليه ، إنما تقدم قوله : « هم » ولا يمكن العود عليه على اعتقاد الاستغناء بالمفرد عن الجمع ، لأنه يصير التركيب : بحساب صاحبهم ، وإن أعيد مخاطبا فلم يتقدم مخاطب يعود عليه ، إنما تقدم قوله : لا تؤاخذ أنت ، ولا يمكن العود إليه ، فإنه ضمير مخاطب ، فلا يعود عليه غائبا ، ولو أبرزته مخاطبا لم يصح التركيب أيضا ، فإصلاح التركيب أن يقال : لا يؤاخذ كل واحد منك ، ولا منهم بحساب صاحبه ، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ، ولا هم بحسابك ، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم ، فتغلب الخطاب على الغيبة ، كما تقول : أنت وزيد تضربان » . والذي يظهر أن كلام الزمخشري صحيح ، ولكن فيه حذف ، وتقديره : لا يؤاخذ كل واحد ، أنت ، ولا هم بحساب صاحبه . ويكون : أنت ولا هم بدلا من كل واحد ، والضمير في صاحبه عائد على كل واحد . ثم إنه وقع في محذور آخر مما أصلح به كلام أبي القاسم ، وذلك أنه قال : أو لا تؤاخذ أنت ، ولا هم بحسابكم . وهذا التركيب يحتمل أن يكون المراد ، بل هو الظاهر نفي المؤاخذة ، بحساب كل واحد بالنسبة إلى نفسه هو ، لا أن كل واحد غير مؤاخذ بحساب غيره ، والمعنى الثاني هو المقصود . والضمائر الثلاثة - أعني التي قوله :
« مِنْ حِسابِهِمْ »
و
« عَلَيْهِمْ »
و
« فَتَطْرُدَهُمْ »
الظاهر عودها على نوع واحد ، وهم :
« الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ »
، وبه قال الطبري ، إلّا أنه فسر « الحساب » بالرزي الدنيوي . وقال الزمخشري ، وابن عطية : إنّ الضميرين الأولين يعودان على المشركين ، والثالث يعود على الداعين .
قال الشيخ وقيل : الضمير في
« حِسابِهِمْ »
، و
« عَلَيْهِمْ »
عائد على المشركين ، وتكون الجملتان اعتراضا بين النهي وجوابه . وظاهر عبارته أن الجملتين لا تكونان اعتراضا إلّا على اعتقاد كون الضميرين في
« حِسابِهِمْ »
و
« عَلَيْهِمْ »
عائدين على المشركين ، وليس الأمر كذلك ، بل هما اعتراض بين النهي ، وهو :
« وَلا تَطْرُدِ »
وبين جوابه وهو :
« فَتَكُونَ »
وإن كانت الضمائر كلها للمؤمنين ، ويدل على ذلك أنه قال - عد ذلك في
« فَتَكُونَ »
- :
« وجوزوا أن يكون جوابا للنهي في قوله :
« وَلا تَطْرُدِ »
، وتكون الجملتان ، وجواب الأول اعتراضا بين النهي وجوابه » . فجعلهما اعتراضا مطلقا من غير نظر إلى الضمير ، ويعني بالجملتين :
« ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ »
، وبجواب الأول قوله :
« فَتَطْرُدَهُمْ »
.
هامش
( 1 ) البيت للبحتري انظر ديوانه ( 3 / 2001 ) ، البحر ( 4 / 138 ) ، تحرير التحبير ( 2 / 266 ) .
( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 164 ) .
( 3 ) انظر البحر ( 4 / 137 ) .