تَمْتَرُونَ »
. يعني أن قوله :
« ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا »
غائب ، فالتفت عنه إلى قوله :
« خَلَقَكُمْ
. . .
ثُمَّ أَنْتُمْ »
. كأنه اعترض على نفسه بأن خلقكم وقضاء الأجل لا يختص به الكفار ، بل المؤمنون مثلهم في ذلك . وأجاب بأنه إنما قصد الكفار تنبيها لهم على خلقه لهم ، وقدرته وقضائه لآجالهم . قال : « 1 » « وإنما جعلته من الالتفات ، لأن هذا الخطاب وهو :
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ
لا يمكن أن يندرج فيه من اصطفاه اللّه بالنبوة والإيمان » . وأصل
« مُسَمًّى »
: مسمّو ، لأنه من مادة الاسم ، وقد تقدم ذلك فقلبت الواو ياء ثم الياء ألفا . وتمترون أصله : تمتريون فأعلّ ، كنظائر له تقدّمت « 2 » .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 3 ]
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 )
قوله :
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ .
في هذه الآية أقوال كثيرة لخصت جميعها في اثني عشر وجها ، وذلك أن هو فيه قولان ، أحدهما : هو ضمير اسم اللّه تعالى ، يعود على ما عادت عليه الضمائر قبله .
والثاني : أنه ضمير القصة ، قاله أبو علي .
قال الشيخ « 3 » : « وإنما فر إلى هذا لأنه لو أعاده على اللّه لصار التقدير : اللّه اللّه فيتركب الكلام من اسمين متحدين لفظا ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية » قلت : الضمير إنما هو عائد على ما تقدم من الموصوف بتلك الصفات الجليلة ، وهي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ، وخلق الناس من طين ، إلخ ، فصار في الإخبار بذلك فائدة من غير شك . فعلى قول الجمهور يكون هو مبتدأ ، واللّه خبره ، وفي السماوات متعلق بنفس الجلالة لما تضمنه من معنى العبادة ، كأنه قيل : وهو المعبود في السماوات . وهذا قول الزجاج ، وابن عطية والزمخشري . قال الزمخشري : في السّموات متعلّق بمعنى اسم اللّه ، كأنه قيل : وهو المعبود فيها ، ومنه :
« وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ »
« 4 » ، أو هو المعروف بالإلهية ، أو المتوحد « 5 » بالإلهية فيها ، أو هو الذي يقال له : اللّه ، لا يشركه في هذا الاسم غيره » . قلت : إنما قال : أو هو المعروف ، أو هو الذي يقال له : اللّه لأن هذا الاسم الشريف قد تقدم لك فيه خلاف ، هل هو مشتق أو لا ؟ . فإن كان مشتقا ظهر تعلق الجار به . وإن كان ليس بمشتق ، فإمّا أن يكون منقولا أو مرتجلا . وعلى كلا التقديرين فلا يعمل ، لأن الأعلام لا تعمل . فاحتاج أن يتأول ذلك على كل قول من هذه الأقوال الثلاثة . فقوله : المعبود راجع للاشتقاق ، وقوله : المعروف راجع لكونه علما منقولا ، وقوله : الذي يقال له : اللّه راجع إلى كونه مرتجلا . وكأنه - رحمه اللّه - استشعر بالاعتراض المذكور ، والاعتراض منقول عن الفارسي ، قال :
« وإذا جعلت الظرف متعلقا باسم اللّه جاز عندي على قياس من يقول : إنّ اللّه أصله الإلاه ، ومن ذهب بهذا الاسم مذهب الأعلام وجب ألّا يتعلق به عنده ، إلا أن يقدّر فيه ضربا من معنى الفعل » . فكأن الزمخشري - واللّه أعلم - أخذ هذا من قول الفارسي وبسطه ، إلّا أن أبا البقاء نقل عن أبي علي أنه لا يتعلق في باسم اللّه ، لأنه صار بدخول الألف واللام ، والتغيير الذي دخله كالعلم ، ولهذا قال تعالى :
هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
« 6 » فظاهر هذا النقل أنه يمنع التعلق
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 71 ) .
( 2 ) انظر سورة البقرة ، آية ( 16 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 72 ) .
( 4 ) سورة الزخرف ، آية ( 84 ) .
( 5 ) في المخطوط والمتوحد والمثبت من الكشاف .
( 6 ) سورة مريم ، آية ( 65 ) .