وقوله :
إِلَّا كُتِبَ
:
كنظيره . والمضمر : يحتمل أن يعود على
« الْعَمَلُ الصَّالِحُ »
المتقدم ، وأن يعود على أحد المصدرين من :
« يُنْفِقُونَ »
و
« يَقْطَعُونَ »
، أي : إلّا كتب لهم الإنفاق أو القطع . وقوله :
« لِيَجْزِيَهُمُ »
متعلق ب
« كُتِبَ »
. وفي هذه الجمل من البلاغة والفصاحة ما لا يخفى على متأمله ، لا سيما لمن تدرّب بما تقدم في هذا الموضوع .
قوله :
فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ :
« لولا » تحضيضية ، والمراد به الأمر . و
« مِنْهُمْ »
يجوز أن يكون صفة ل
« فِرْقَةٍ »
، وأن يكون حالا من
« طائِفَةٌ »
، لأنها في الأصل صفة لها . وعلى كلا التقديرين فيتعلق بمحذوف . والذي ينبغي أن يقال : « إنّ من كلّ » حال من
« طائِفَةٌ »
، و
« مِنْهُمْ »
صفة ل
« فِرْقَةٍ »
. ويجوز أن يكون
« مِنْ كُلِّ »
متعلّقا ب
« نَفَرَ »
. وقوله :
« لِيَتَفَقَّهُوا »
في هذا الضمير قولان :
أحدهما : أنه للطائفة النافرة ، على أن المراد بالنفور : النفور لطلب العلم ، وهو ظاهر . وقيل « 2 » : « الضمير في
« لِيَتَفَقَّهُوا »
على الطائفة القاعدة ، وفي
« رَجَعُوا »
عائد على النافرة ، والمراد بالنفور : نفور الجهاد ، والمعنى :
أن النافرين للجهاد إذا ذهبوا بقي إخوانهم ، يتعلمون من رسول اللّه الفقه ، فإذا رجع الغازون أنذرهم المقيمون ، أي : علموهم الفقه والشرع .
قوله :
غِلْظَةً :
قرأها الجمهور بالكسر ، وهي لغة أسد ، وقرأ الأعمش ، وأبان بن تغلب ، والمفضل ، كلاهما عن عاصم
« غِلْظَةً »
بفتحها ، وهذه لغة الحجاز . وقرأ أبو حيوة ، والسّلميّ ، وابن أبي عبلة ، والمفضل ، وأبان في رواية عنهما
« غِلْظَةً »
، وهي لغم تميم ، وحكى أبو عمرو اللغات الثلاث . والغلظة : أصلها في الأجرام ، فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجلد . وقوله :
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ
هو من باب : « لا أرينّك ههنا » ، وتقدم شرحه « 3 » .
قوله :
أَيُّكُمْ زادَتْهُ :
الجمهور على رفع
« أَيُّكُمْ »
بالابتداء ، وما بعده الخبر . وقرأ زيد بن علي ، وعبيد بن عمير بالنصب ، على الاشتغال ، ولكن يقدر الفعل متأخرا عنه من أجل أن له صدر الكلام . والنصب عند الأخفش في هذا النحو أحسن من الرفع ، لأنه يجري اسم الاستفهام مجرى الأسماء المسبوقة بأداة الاستفهام ، نحو : « أزيدا ضربته ؟ » في ترجيح إضمار الفعل .
قوله :
أَ وَلا يَرَوْنَ
:
قرأ حمزة « ترون » بتاء الخطاب ، وهو خطاب للذين آمنوا . والباقون بياء الغيبة ، رجوعا على
« الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ »
. والرؤية هنا يحتمل أن تكون قلبية ، وأن تكون بصرية .
( 1 ) انظر ديوان ( 398 ) البحر ( 5 / 88 ) القرطبي ( 8 / 291 ) .
هامش
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 114 ) .
( 3 ) انظر سورة الأنفال آية ( 25 ) .