الظرف الزماني ، والتقدير : أيّ زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، ونظره أبو البقاء بقوله تعالى :
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
« 1 » والثاني : أنها في محل رفع بالابتداء ، وفي الخبر الأقوال المشهورة و
« فَاسْتَقِيمُوا »
جواب الشرط ، وقد نحا إليه الحوفي ، ويحتاج إلى حذف عائد ، أي : أي زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم . وقد جوّز الشيخ جمال الدين بن مالك في « ما » المصدرية الزمانية أن تكون شرطية جازمة ، وأنشد على ذلك :
2475 - فما تحي لا تسأم حياة ، وإن تمت * فلا خير في الدّنيا ولا العيش أجمعا
ولا دليل فيه ، لأن الظاهر الشرطية من غير تأويل بمصدرية وزمان . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن تكون نافية ، لفساد المعنى ، إذ يصير المعنى استقيموا لهم ، لأنهم لم يستقيموا لكم » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 8 إلى 10 ]
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ( 8 ) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 9 ) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ( 10 )
قوله :
كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا .
المستفهم عنه محذوف ، لدلالة المعنى عليه ، فقدره ، أبو البقاء : « كيف تطمئنون ، أو كيف يكون لهم عهد ؟ . وقدّره غيره : كيف لا تقاتلونهم » . والتقدير الثاني من تقديري أبي البقاء أحسن ، لأنه من جنس ما تقدم ، فالدلالة عليه أقوى . وقد جاء الحذف في هذا التركيب كثيرا ، وتقدم منه قوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ ،
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا .
وقال الشاعر :
2476 - وخبّرتماني أنّما الموت في القرى * فكيف وهاتا هضبة وكثيب « 2 »
أي : كيف مات . وقال الحطيئة :
2477 - فكيف ولم أعلمهم خذلوكم * على معظم ، ولا أديمكم قدّوا « 3 »
أي : كيف تلومونني في مدحهم .
قال الشيخ : « وقدّر أبو البقاء الفعل بعد
« كَيْفَ »
بقوله : « كيف تطمئنون » ، وقدّره غيره ب « كيف لا تقاتلونهم » ؟ قلت : ولم يقدره أبو البقاء بهذا وحده ، بل به ، وبالوجه المختار كما قدمته عنه . قوله :
وَإِنْ يَظْهَرُوا
هذه الجملة الشرطية في محل نصب على الحال ، أي : كيف يكون لهم عهد ، وهم على حالة تنافي ذلك ، وقد تقدم تحقيق هذا عند قوله تعالى :
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ .
« 4 » و
« لا يَرْقُبُوا »
جواب الشرط . وقرأ زيد بن
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، آية ( 2 ) .
( 2 ) البيت لكعب بن سعد الغنوي وهو من شواهد الكتاب ( 3 / 487 ) ، المقتضب ( 2 / 287 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 136 ) ، الأصمعيات ( 97 ) ، البرح المحيط ( 5 / 13 ) .
( 3 ) انظر البيت في ديوانه ( 41 ) ، معاني الزجاج ( 2 / 479 ) ، البحر ( 5 / 13 ) .
( 4 ) سورة الأعراف ، آية ( 169 ) .