اللغويين . على أن أبا عمرو بن العلاء أنكر الضم ووافقه الأخفش ، فقال : « لم يسمع من العرب إلا الكسر » . ونقل أبو عبيد اللغتين ، إلا أنه قال : « الضم أكثرهما » . وقال اليزيدي : « الكسر لغة الحجاز » . وأنشدوا قول أوس بن حجر :
2440 - وفارس لم يحلّ القوم عدوته * ولّوا سراعا ، وما همّوا بإقبال « 1 »
بالكسر ، والضم . وهذا هو الذي ينبغي أن يقال ، فلا وجه لإنكار الضم ، ولا الكسر ، لتواتر كل منهما ، ويحمل قول أبي عمرو على أنها لم تبلغه . ويحتمل أن يقال في قراءة من قرأ بفتح العين أن يكون مصدرا سمّي به المكان . وقرىء شاذا « بالعدية » فقلب الواو ياء ، لانكسار ما تقدمها ، ولا يعتبر الفاصل ، لأنه ساكن ، فهو حاجز غير حصين ، وهذا كما قالوا : « هو ابن عمّي دنيا » بكسر الدال ، وهو من الدّنوّ ، وكذلك « قنية » ، و « صبية » ، وأصله السلامة ، كالذّروة ، والصّفوة ، والرّبوة . وقوله :
الدُّنْيا
قد تقدم الكلام على هذه اللفظة مشبعا . قوله :
« الْقُصْوى »
تأنيث « الأقصى » . والأقصى : الأبعد ، والقصرّ : البعد . وللصرفيين عبارتان ، أغلبهما أن « فعلى » من ذوات الواو ، وإن كانت اسما أبدلت لامها ياء ، ثم يمثلون بنحو : « الدنيا ، والعليا ، والقصيا » ، وهذه صفات ، لأنها من باب أفعل التفضيل ، وكان العذر لهم أن هذه وإن كانت في الأصل صفات ، إلا أنها جرت مجرى الجوامد .
قالوا : وإن كانت « فعلى » صفة أقرّت لامها على حالها ، نحو : « الحلوى » تأنيث « الأحلى » ، ونصوا على أن
« الْقُصْوى »
شاذة ، وإن كانت لغة الحجاز ، وأن « القصيا » قياس ، وهي لغة تميم . وممن نصّ على شذوذ
« الْقُصْوى »
يعقوب بن السّكّيت . وقال الزمخشري : « وأما »
الْقُصْوى »
فكالقود ، في مجيئه على الأصل ، وقد جاء « القصيا » ، إلا أنّ استعمال
« الْقُصْوى »
أكثر ، كما كثر استعمال « استصوب » مع مجيء « استصاب » ، و « أغيلت » مع « أغالت » انتهى » . وقد قرأ زيد بن علي « بالعدوة القصيا » فجاء بها على لغة تميم ، وهي القياس عند هؤلاء .
والعبارة الثانية - وهي المغلوبة القليلة - : العكس ، أي : إن كانت اسما أقرّت ، نحو : « حزوى » ، كقوله :
2441 - أدارا بحزوى هجت للعين عبرة * فماء الهوى يرفضّ ، أو يترقرق
وعلى هذا ف « الحلوى » شاذة ، لإقرار لامها مع كونها صفة ، وكذا
« الْقُصْوى »
أيضا عند هؤلاء ، لأنها صفة .
وقد ترتب على هاتين العبارتين أن « قصوى » على خلاف القياس فيهما ، وأن « قصيا » هي القياس ، لأنها عند الأولين من قبيل الأسماء ، وهي يقلبونها ياء ، وعند الآخرين من قبيل الصفات ، وهم يقلبونها أيضا ياء . وإنما يظهر الفرق في « الحلوى » و « حزوى » ف « الحلوى » عند الأوّلين تصحيحها قياس ، لكونها صفة ، وشاذة عند الآخرين ، لأن الصفة عندهم تقلب واوها ياء . و « الحزوى » عكسها ، فإن الأوّلين يقلبون في الأسماء ، دون الصفات ، والآخرون عكسهم . وهذا موضع حسن ، يختلط على كثير من الناس ، فلذلك نقّحته ونعني بالشذوذ : شذوذ القياس ، لا شذوذ الاستعمال ، ألا ترى أن استعمال المتواتر « بالقصوى » . قوله :
وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
الأحسن في هذه الواو ، والواو التي قبلها الداخلة على
« هُمْ »
: أن تكون عاطفة ما بعدها على
« أَنْتُمْ »
، لأنها مبدأ تقسيم أحوالهم ، وأحوال عدوهم . ويجوز أن يكونا واوي حال . و
« أَسْفَلَ »
منصوب على الظرف النائب عن الخبر ، وهو في الحقيقة صفة
هامش
( 1 ) البيت في ديوانه ( 104 ) وروايته فيه :وفارس لا يحل الحي . . . * . . .والبيت في تفسير الطبري ( 13 / 565 ) ، البحر المحيط ( 4 / 499 ) .