قوله :
عَنِ الْقَرْيَةِ .
لا بدّ من مضاف محذوف ، أي : عن خبر القرية ، وهذا المضاف هو الناصب لهذا الظرف ، وهو قوله :
« إِذْ يَعْدُونَ »
. وقيل : بل هو منصوب ب
« حاضِرَةَ »
، قال أبو البقاء : « وجوّز ذلك أنها كانت موجودة ذلك الوقت ثم خربت » . وقدر الزمخشري المضاف « أهل » ، أي : عن أهل القرية ، وجعل الظرف بدلا من « أهل » المحذوف ، فإنه قال :
« إِذْ يَعْدُونَ »
بدل من
« الْقَرْيَةِ »
، والمراد بالقرية : أهلها ، كأنه قيل : واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت ، وهو من بدل الاشتمال .
قال الشيخ « 2 » : « وهذا لا يجوز ، لأن
« إِذْ »
من الظروف التي لا تتصرف ، ولا يدخل عليها حرف جر ، وجعلها بدلا يجوز دخول « عن » عليها ، لأن البدل هو على نية تكرار العامل ، ولو أدخلت « عن » عليها لم يجر ، وإنما يتصرف فيها بأن تضيف إليها بعض الظروف الزمانية ، نحو : يوم إذ كان كذا » وأما قول من ذهب إلى أنها تكون مفعولة ب « اذكر » فقول من عجز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفا . وقال الحوفيّ :
« إِذْ »
متعلقة ب « سلهم » .
قال الشيخ « 1 » : « وهذا لا يتصور ، لأن
« إِذْ »
لما مضى ، و « سلهم » مستقبل ، ولو كان ظرفا مستقبلا لم يصح المعنى ، لأن العادين - وهم أهل القرية - مفقودون ، فلا يمكن سؤالهم ، والمسؤول غير أهل القرية العادين » . وقرأ شهر بن حوشب وأبو نهيك « يعدّون » بفتح العين ، وتشديد الدال ، وهذه تشبه قراءة نافع في قوله :
« لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ »
، والأصل : تعتدوا ، فأدغم التاء في الدال لمقاربتها لها . وقرىء : « يعدّون » بضم الياء وكسر العين وتشديد الدال من : أعدّ يعدّ إعدادا : إذا هيّأ آلاته . وفي التفسير أنهم كانوا مأمورين في السّبت بالعبادة فيتركونها ويهيئون آلات الصيد . قوله :
« إِذْ تَأْتِيهِمْ »
العامل فيه
« يَعْدُونَ »
، أي : إذا عدوا إذ أتتهم ، لأن الظرف الماضي يصرف المضارع إلى المضي . وقال الزمخشري : « وإذ تأتيهم » بدل من
« إِذْ يَعْدُونَ »
بدلا بعد بدل » . يعني أنه بدل ثان من
« الْقَرْيَةِ »
على ما تقرر عنه ، وقد تقدم رد الشيخ عليه هناك ، وهو عائد هنا . و « حيتان » جمع « حوت » ، وإنما أبدلت الواو ياء ، لسكونها وانكسار ما قبلها ، ومثله نون ونينان ، والنّون : الحوت . قوله :
« شُرَّعاً »
حال من
« حِيتانُهُمْ »
، وشرّع : جمع شارع . وقرأ عمر بن عبد العزيز « يوم إسباتهم » ، وهو مصدر « أسبت » إذا دخل في السّبت . وقرأ عاصم بخلاف عنه وعيسى بن عمر « لا يسبتون » بضم الباء . وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه « يسبتون » بضم الياء وكسر الباء ، من أسبت ، أي : دخل قي السّبت . وقرىء « يسبتون » بضم الياء وفتح الباء مبنيا للمفعول ، نقلها الزمخشري ، عن الحسن ، قال : « أي لا يدار عليهم السّبت ، ولا يؤمرون بأن يسبتوا » . والعامل في :
« يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ »
قوله :
« لا تَأْتِيهِمْ »
، أي : لا تأتيهم يوم لا يسبتون ، وهذا يدل على جواز تقديم معمول المنفي ب
« لا »
عليها ، وقد قدمت فيه ثلاثة مذاهب ، الجواز مطلقا ، كهذه الآية ، المنع مطلقا ، التفصيل بين أن يكون جواب قسم فيمتنع ، أولا فيجوز . قوله :
كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ
ذكر الزجاج وابن الأنباري في هذه الكاف ومجرورها وجهين :
أحدهما : قال الزجاج : « أي : مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم » ، فموضع الكاف نصب ب
« نَبْلُوهُمْ »
. قال ابن الأنباري : « ذلك » إشارة إلى ما بعده ، يريد :
« نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ »
، كذلك البلاء الذي وقع بهم في أمر
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 409 ) .
( 2 ) انظر البحر ( 4 / 410 ) .