قوله :
« كُلُّ أُناسٍ »
قد تقدم الوعد في البقرة بالكلام على لفظ
« أُناسٍ »
هنا . قال الزمخشري : « الأناس » : اسم جمع غير تكسير ، نحو : « رخال » ، و « ثناء » ، و « تؤام » ، وأخوات لها . ويجوز أن يقال : إن الأصل الكسر والتكسير ، والضمة بدل من الكسرة ، كما أبدلت في نحو : « سكارى » ، و « غيارى » من الفتحة .
قال الشيخ : « ولا يجوز ما قال لوجهين ، أحدهما : أنه لم ينطق ب « إناس » يكسر الهمزة ، فيكون جمع تكسير ، حتى تكون الضمة بدلا من الكسرة ، بخلاف « سكارى » و « غيارى » فإنّ القياس فيه « فعالى » بفتح فاء الكلمة وهو مسموع فيهما . والثاني : أن « سكارى ، وغيارى ، وعجالى » وما ورد من نحوها ليست الضمة فيه بدلا من الفتحة ، بل نص سيبويه في كتابه على أنه جمع تكسير أصل ، كما أن « فعالى » جمع تكسير أصل ، وإن كان لا ينقاس الضم كما ينقاس الفتح . قال سيبويه « 1 » - في حد تكسير الصفات - : « وقد يكسّرون بعض هذا على « فعالى » وذلك قول بعضهم : عجالى ، وسكارى » . وقال سيبويه - في الأبنية أيضا - : « ويكون « فعالى » في الاسم ، نحو :
حبارى ، وسماني ، ولبادى . ولا يكون وصفا إلا أن يكسر عليه الواحد للجمع ، نحو : سكارى ، وعجالى » . فهذان نصان من سيبويه على أنه جمع تكسير . وإذا كان جمع تكسير أصلا لم يسغ أن يدعى أن أصل « فعالى » وأنه أبدلت الحركة فيه . وذهب المبرد إلى أنه اسم جمع ، وليس بجمع تكسير ، فالزمخشري لم يذهب إلى ما ذهب إليه سيبويه ، ولا إلى ما ذهب إليه المبرد ، لأنه عند المبرد اسم جمع ، فالضمة في فائه أصل ، ليست بدلا من الفتحة ، بل أحدث قولا ثالثا انتهى » .
قوله :
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ
قد تقدم الكلام على هذه الجملة ، وما قبلها ، وما بعدها في البقرة ، وكأن هذه القصة مختصرة من تيك ، فإنّ تيك أشبع من هذه .
قال الزمخشري : التقديم والتأخير في : « . . . وقولوا . . . وادخلوا . . . سواء قدموا « الحطّة » على دخول الباب أو أخّروها ، فهم جامعون في الإيجاد بينهما .
قال الشيخ « 2 » : « قوله : « سواء قدموا أو أخروها » تركيب غير عربي ، وإصلاحه : « سواء أقدموا أم أخروا » ، كما قال تعالى :
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا
قلت : يعني كونه أتى بعد لفظ
« سَواءٌ »
ب « أو » دون « أم » ، ولم يأت بهمزة التسوية بعد
« سَواءٌ »
، وقد تقدم أن ذلك جائز ، وإن كان الكثير ما ذكره ، وأنه قرىء :
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ » *
، والرد بمثل هذا غير طائل . وقرأ عيسى الهمداني « ما رزقتكم » بالإفراد ، وسيأتي خلاف بين السبعة في في مثل هذا في طه . قوله :
« تغفر لكم خطاياكم » قد تقدم الخلاف في
« نَغْفِرْ »
وأما « خطاياكم » فقرأها ابن عامر « خطيئتكم » بالتوحيد ، والرفع على ما لم يسم فاعله ، والفرض أنه يقرأ « تغفر » بالتاء من فوق . ونافع قرأ
« خَطِيئاتِكُمْ »
بجمع السلامة ، رفعا على ما لم يسم فاعله ، لأنه يقرأ « تغفر » كقراءة ابن عامر . وأبو عمرو قرأ « خطاياكم » جمع تكسير ويقرأ
« نَغْفِرْ »
بنون العظمة . والباقون
« نَغْفِرْ »
كأبي عمرو ،
« خَطِيئاتِكُمْ »
بجمع السلامة منصوبا بالكسرة على القاعدة . وفي سورة نوح قرأ أبو عمرو « خطاياهم » بالتكسير أيضا ، والباقون بجمع التصحيح .
وقرأ ابن هرمز « تغفر » بتاء مضمومة مبنيا للمفعول ، كنافع « خطاياكم » ، كأبي عمرو ، وعنه أيضا « يغفر » بياء الغيبة ، وعنه « تغفر » بفتح التاء من فوق ، على معنى أن « الحطّة » سبب للغفران ، فنسب الغفران إليها .
هامش
( 1 ) انظر الكتاب ( 3 / 645 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 409 ) .