تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
كنظائره ، وقال الشاعر :
2110 - كنت أميني وكنت خالصتي * وليس كلّ امرئ بمؤتمن « 1 »
وهذا مستفيض في لسانهم : « فلان خالصتي » ، أي : ذو خلوصي . و
« لِذُكُورِنا »
متعلّق به ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه وصف ل
« خالِصَةٌ »
، وليس بالقوي . وقرأ عبد اللّه وابن جبير وأبو العالية والضحّاك وابن أبي عبلة « خالص » مرفوعا على ما تقدم من غيرهاء ، و
« لِذُكُورِنا »
متعلّق به ، أو بمحذوف كما تقدم . وقرأ ابن جبير أيضا فيما نقله عنه ابن جني « خالصا » نصبا من غير تاء . ونصبه على الحال ، وفي صاحبه وجهان : أظهرهما : أنه الضمير المستتر في الصلة . الثاني : أنه الضمير المستتر في
« لِذُكُورِنا »
فإنّ
« لِذُكُورِنا »
على هذه القراءة خبر المبتدأ ، وهذا إنّما يجوز على مذهب أبي الحسن ، لأنه يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي ، نحو : زيد مستقرا في الدار ، والجمهور يمنعونه ، وقد تقدم تحقيق هذه المسألة بتفصيلها ودلائلها « 2 » . وقرأ ابن عباس أيضا والأعرج وقتادة « خالصة » نصبا بالتأنيث ، والكلام في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره ، وخرجه الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعافية » . وقرأ ابن عباس أيضا وأبو رزين وعكرمة وأبو حيوة
« خالِصَةٌ »
برفع « خالص » مضافا إلى ضمير « ما » ، ورفعه على أحد وجهين ، إمّا على البدل من الموصول بدل بعض من كل ، و
« لِذُكُورِنا »
خبر الموصول ، وإمّا على أنه مبتدأ ، و
« لِذُكُورِنا »
خبره ، والجملة خبر الموصول . وقد عرفت مما تقدم حيث قلنا : إنّ
« خالِصَةٌ »
مصدر ، أو هي للمبالغة ، فليس في الكلام حمل على معنى ، ثم على لفظ ، وإن قلنا إنّ التأنيث فيها لأجل تأنيث ما في البطون كان في الكلام الحمل على المعنى أولا ، ثم على اللفظ في قوله :
« وَمُحَرَّمٌ »
ثانيا ، وليس لذلك في القرآن نظير ، أعني الحمل على المعنى أولا ، ثم على اللفظ ثانيا ، إلّا أن مكيا زعم في غير إعراب القرآن له أن لهذه الآية نظائر فذكره ، وأما في إعرابه فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك ، فقال في إعرابه : « وإنّما أنث الخبر ، لأن ما في بطون الأنعام أنعام ، فحمل التأنيث على المعنى ، ثم قال :
« وَمُحَرَّمٌ »
، فذكر حملا على لفظ
« ما »
، وهذا نادر لا نظير له ، وإنّما يأتي في « من » ، وما « حمل » الكلام أولا على اللفظ ، ثم على المعنى بعد ذلك ، فاعرفه ، فإنّه قليل » . وقال في غير الإعراب : هذه الآية في قراءة الجماعة أتت على خلاف نظائرها في القرآن ، لأن كل ما يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة ، إنما يبتدأ أولا بالحمل على اللفظ ، ثم يليه الحمل على المعنى ، نحو :
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
ثم قال :
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ
« 3 » ، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب . وهذه الآية تقدم فيها الحمل على المعنى ، فقال :
« خالِصَةٌ »
، ثم حمل على اللفظ ، فقال :
« وَمُحَرَّمٌ »
، ومثله :
كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ
« 4 » في قراءة نافع ومن تابعه ، فأنث على معنى
« كُلُّ »
، لأنها اسم لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا ، ثم قال :
عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ،
فذكر على لفظ
« كُلُّ »
، وكذلك :
ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ
« 5 » ، جمع الظهور حملا على معنى
« ما »
، ووحّد الهاء حملا على لفظ
« ما »
وحكي عن العرب : « هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أنفسه » جمع الأنفس ، ووحّد الهاء وذكّرها » . قلت : أما قوله : هذا أتى في القرآن فصحيح ، وأما قوله : وكلام العرب ، فليس ذلك بمسلم ، إذ في
هامش
( 1 ) انظر روح المعاني ( 8 / 35 ) . ( 2 ) انظر الآية ( 36 ) من سورة البقرة وآية ( 97 ) من سورة آل عمران . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 62 ) . ( 4 ) سورة الإسراء ، آية ( 38 ) . ( 5 ) سورة الزخرف ، الآيتان ( 12 - 13 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 197 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة