تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
معنى المواجهة والمعاينة ، والجماعة صنفا صنفا ، لأن المراد بالعذاب الجنس ، وسيأتي له مزيد بيان « 1 » . و
« قُبُلًا »
نصب على الحال كما مر ، من
« كُلَّ »
وإن كان نكرة لعمومه وإضافته . وتقدم أنه في أحد أوجهه ينصب على الظرف عند المبرد . وأما قراءة الحسن فمخففة من المضموم ، وقراءة أبيّ بالأصل ، وهو المفرد . وأما قراءة طلحة فهو ظرف مقطوع عن الإضافة ، معناه : أو تأتي باللّه والملائكة قبله . ولكن كان ينبغي أن يبنى ، لأن الإضافة مرادة . وقوله :
« ما كانُوا »
جواب
« لَوْ »
، وتقدم أنه إذا كان منفيا امتنعت اللام « 2 » . وقال الحوفي : التقدير : لما كانوا ، حذفت اللام ، وهي مرادة » وهذا ليس بجيد ، لأن الجواب المنفي ب
« ما »
يقل دخولها ، بل لا يجوز عند بعضهم ، والمنفي ب « لم » ممتنع البتة . وهذه اللام لام الجحود جارة للمصدر المؤول من
« أَنْ »
والمنصوب بها ، وقد تقدم « 3 » تحقيق هذا كله بعون اللّه تعالى . قوله :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
يجوز أن يكون متصلا ، أي : ما كانوا ليؤمنوا في سائر الأحوال إلّا في حال مشيئة اللّه ، أو في سائر الأزمان إلّا في زمان مشيئته . وقيل : إنّ استثناء من علة عامة ، أي : ما كانوا ليؤمنوا لشيء من الأشياء إلّا لمشيئة اللّه تعالى . والثاني : أنه يكون منقطعا ، نقل ذلك الحوفي وأبو البقاء ، واستبعده الشيخ « 4 » . قوله :
وَكَذلِكَ .
الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، فقدره الزمخشري : « كما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك » . وقال الواحدي :
« وَكَذلِكَ »
منسوق على قوله :
« كَذلِكَ زَيَّنَّا »
أي : كما فعلنا ذلك ، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا ، ثم قال : وقيل : معناه : جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء ، فيكون قوله :
« وَكَذلِكَ »
عطفا على معنى ما تقدم من الكلام ، وما تقدم يدل على معناه ، على أنه جعل له أعداء » . و « جعل » يتعدى لاثنين ، بمعنى صيّر . وأعرب الزمخشري ، وأبو البقاء ، والحوفي هنا نحو إعرابهم في قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ
« 5 » ، فيكون المفعول الأول
« شَياطِينَ الْإِنْسِ »
، والثاني :
« عَدُوًّا »
، و
« لِكُلِّ »
حال من
« عَدُوًّا »
، لأنه صفته في الأصل ، أو متعلق بالجعل قبله . ويجوز أن يكون المفعول الأول
« عَدُوًّا »
، و
« لِكُلِّ »
هو الثاني قدم ، و
« شَياطِينَ »
بدل من المفعول الأول ، والإضافة في
« شَياطِينَ الْإِنْسِ »
تحتمل أن تكون من باب إضافة الصفة لموصوفها ، والأصل : الإنس والجن الشياطين ، نحو : جرد قطيفة ، ورجحت بأن المقصود التسلي والائتناس بمن سبق من الأنبياء ، إذا كان في أممهم من يعاديهم ، كما في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويحتمل أن يكون من الإضافة التي بمعنى اللام ، وليس من باب إضافة صفة لموصوف ، والمعنى : الشياطين التي للإنس ، والشياطين التي للجن ، فإنّ إبليس قسم جنده قسمين : قسم متسلط على الإنس ، وآخر على الجنّ ، كذا جاء في التفسير . ووقع :
« عَدُوًّا »
مفعولا ثانيا ل
« شَياطِينَ »
على أحد الإعرابين بلفظ الإفراد ، لأنه يكتفي به في ذلك ، وتقدم شواهده « 6 » ، ومنه :
2044 - إذا أنا لم أنفع صديقي بودّه * فإنّ عدوّي لم يضرّهم بغضي « 7 »
فأعاد الضمير من « يضرّهم » على « عدوّ » ، فدل على جمعيتهم . قوله :
« يُوحِي »
يحتمل أن يكون مستأنفا ، أخبر عنهم بذلك ، وأن يكون حالا من
« شَياطِينَ »
، وأن يكون
هامش
( 1 ) في آية رقم ( 26 ) من سورة يوسف . ( 2 ) عند آية ( 20 ) من سورة البقرة . ( 3 ) عند آية ( 143 ) من سورة البقرة . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 206 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 100 ) . ( 6 ) انظر آية رقم ( 36 ) من سورة البقرة . ( 7 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 207 ) ، الرازي ( 13 / 154 ) .