المنسوب للزمخشري ، ومن ذكر معه سبقهم إليه الفراء ، وأبو إسحاق ، فإنّهما أجازا أن يكونا مفعولين قدم ثانيهما على الأول ، وأجازا أن يكون
« الْجِنَّ »
بدلا من « الشّركاء » ، ومفسرا للشركاء ، هذا نص عبارتهم . وهذا معنى صحيح ، أعني كون البدل مفسرا ، فلا معنى لرد هذا القول ، وأيضا فقد رد هو على الزمخشري عند قوله تعالى :
إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
« 1 » بأنه لا يلزم في كل بدل أن يحل محل المبدل منه ، قال : « ألا ترى إلى تجويز النحويين : « زيد مررت به أبي عبد اللّه » ، ولو قلت : زيد مررت بأبي عبد اللّه » لم يجز إلا على رأي الأخفش . « وقد سبق هذا في المائدة ، فقد قرر هو أنه لا يلزم حلول البدل محل المبدل منه ، فكيف يرد به هنا ؟ .
الثالث : أن يكون
« شُرَكاءَ »
هو المفعول الأول ، و
« الْجِنَّ »
هو المفعول الثاني ، قاله الحوفي « 2 » ، وهذا لا يصح لما عرفت أن الأول في هذا الباب مبتدأ في الأصل ، والثاني خبر في الأصل ، وتقرر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جعلت المعرفة مبتدأ والنكرة خبرا من غير عكس إلا في ضرورة تقدم التنبيه على الوارد منها .
الرابع : أن يكون
« شُرَكاءَ الْجِنَّ »
مفعولين على ما تقدم بيانه و
« لِلَّهِ »
متعلّق بمحذوف ، على أنه حال من
« شُرَكاءَ »
، لأنه لو تأخر عنها لجاز أن يكون صفة لها ، قاله أبو البقا . وهذا لا يصح ، لأنه يصير المعنى : جعلوهم شركاء في حال كونهم للّه ، أي : مملوكين . وهذه حال لازمة لا تنفك ، ولا يجوز أن يقال : إنّها غير منتقلة ، لأنها مؤكدة ، إذ لا تأكيد فيها هنا ، وأيضا فإنّ فيه تهيئة للعامل في معمول وقطعه عنه ، فإنّ
« شُرَكاءَ »
يطلب هذا الجار ليعمل فيه ، والمعنى منصب على ذلك .
الخامس : أن يكون
« الْجِنَّ »
منصوبا بفعل مضمر جوابا لسؤال مقدر ، كأن سائلا سأل فقال - بعد قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ
- : من جعلوا للّه شركاء ؟ فقيل : الجنّ ، أي : جعلوا الجنّ ، نقله الشيخ « 3 » عن شيخه أبي جعفر بن الزبير « 4 » وجعله أحسن مما تقدم ، قال : « ويؤيد ذلك قراءة أبي حيوة ، ويزيد بن قطيب :
« الْجِنَّ »
رفعا ، على تقدير : هم الجنّ ، جوابا لمن قال : جعلوا للّه شركاء ؟ فقيل : هم الجنّ ، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه ، والاستنقاص بمن جعلوه شريكا للّه تعالى » . وقال مكي : « وأجاز الكسائي رفع « الجن » على معنى : هم الجنّ . وكأنه لم يطلع على أن غيره قرأها كذلك . وقرأ شعيب بن أبي حمزة ، ويزيد بن قطيب ، وأبو حيوة ، في رواية عنهما أيضا
« شُرَكاءَ الْجِنَّ »
بخفض « الجن » . وقال الزمخشري : « وقرىء بالجر ، على الإضافة التي للتبيين ، والمعنى أشركوهم في عبادته ، لأنهم أطاعوهم ، كما يطاع اللّه . « قال الشيخ : « ولا يتضح معنى هذه القراءة ، إذ التقدير : وجعلوا شركاء الجنّ للّه » . قلت : معناها واضح بما فسّره الزمخشري في قوله : والمعنى : أشركوهم في عبادتهم إلى آخره ، ولذلك سماها إضافة تبيين ، أي : أنه بين الشركاء ، كأنه قيل : الشركاء المطيعين للجن . قوله :
« وَخَلَقَهُمْ »
الجمهور على
« خَلَقَهُمْ »
بفتح اللام فعلا ماضيا . وفي هذه الجملة احتمالان :
أحدهما : أنها حالية ، و « قد » مضمرة عند قوم ، غير مضمرة عند آخرين .
والثاني : أنها مستأنفة لا محل لها . والضمير في
« خَلَقَهُمْ »
فيه وجهان :
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، آية ( 117 ) .
( 2 ) انظر سورة المائدة ، آية ( 107 ) .
( 3 ) انظر البحر ( 4 / 193 ) .
( 4 ) هو أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي أبو جعفر محدث مؤرخ انتهت إليه الرياسة في العربية والرواية في الحديث والتفسير والأصول توفي سنة ( 708 ) ، انظر الأعلام ( 1 / 86 ) ، شذرات الذهب ( 6 / 16 ) .