تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
كل ما يسمى نباتا في اللغة . وقال الفراء : رزق كل شيء أي : ما يصلح أن يكون غذاء لكل شيء » . فيكون مخصوصا بالمتغذى به . وقال الطبري : « هو جميع ما ينمو من الحيوان والنبات والمعادن ، لأن كل ذلك يتغذى بالماء » . ويترتب على ذلك صناعة إعرابية ، وذلك أنا إذا قلنا بقول غير الفراء كانت الإضافة راجعة في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها ، إذ يصير المعنى على ذلك : فأخرجنا به كلّ شيء منبت ، فإن النبات بمعنى المنبت ، وليس مصدرا ، كهو في :
أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً
« 1 » . وإذا قلنا بقول الفراء كانت الإضافة إضافة بين متباينين ، إذ يصير المعنى : غذاء كلّ شيء ، أو رزقه . ولم ينقل الشيخ « 2 » عن الفراء غير هذا القول ، والفراء له في هذه الآية القولان المتقدمان ، فإنه قال ، رزق كلّ شيء - قال : وكذا جاء التفسير ، وهو وجه الكلام . وقد يجوز في العربية أن تضيف « النبات » إلى
« كُلِّ شَيْءٍ »
، وأنت تريد بكلّ شيء النبات أيضا ، فيكون مثل قوله :
حَقُّ الْيَقِينِ ، *
واليقين هو الحق » . قوله :
فَأَخْرَجْنا مِنْهُ
في الهاء وجهان : أحدهما : أن تعود على « النبات » ، وهذا هو الظاهر ، ولم يذكر الزمخشري غيره ، وتكون
« مِنَ »
على بابها من كونها لابتداء الغاية ، أو تكون للتبعيض ، وليس بذلك . والثاني : أن تعود على « الماء » ، وتكون
« مِنَ »
سببية . وذكر أبو البقاء الوجهين ، فقال : فأخرجنا منه « أي : ، ويجوز أن تكون الهاء في
« مِنْهُ »
راجعة على « النبات » وهو الأشبه . وعلى الأول يكون
« فَأَخْرَجْنا »
بدلا من « أخرجنا » الأول » . أي أنه يكتفي في المعنى بالإخبار بهذه الجملة الثانية ، وإلا فالبدل الصناعي لا يظهر . فالظاهر أنّ »
فَأَخْرَجْنا »
عطف على
« فَأَخْرَجْنا »
الأول . وقال الشيخ « 3 » : « وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلا من
« فَأَخْرَجْنا »
. قلت : إنما جعله بدلا بناء على عود الضمير في
« مِنْهُ »
على « الماء » ، فلا يصح أن يحكي عنه أنه جعله بدلا مطلقا ، لأن البدلية لا تتصور على جعل الهاء في
« مِنْهُ »
عائدة على « النبات » . و « الخضر » : بمعنى : الأخضر ، ك « عور ، وأعور » . قال أبو إسحاق : يقال : اخضرّ يخضرّ فهو خضر ، واخضرّ كاعورّ ، فهو عور ، وأعور » . والخضرة أحد الألوان ، وهي بين البياض والسواد ، ولكنها إلى السواد أقرب ، ولذلك أطلق الأسود على الأخضر ، وبالعكس ، ومنه سواد العراق ، لخضرة أرضه بالشجر . وقال تعالى :
مُدْهامَّتانِ
أي : شديدتا السواد لربهما . والمخاضرة : مبايعة الخضر والثمار قبل بلوغها . والخضيرة : نخلة ينتثر بسرها أخضر . وقوله عليه السّلام : « إيّاكم وخضراء الدّمن » فقد فسره هو عليه السّلام بقوله : « المرأة الحسناء في المنبت السّوء » . والدّمن : مطارح الزّبالة ، ما يستقذر ، فقد ينبت فيها ما يستحسنه الرائي . قوله :
« نُخْرِجُ مِنْهُ »
أي : من الخضر ، والجمهور على
« نُخْرِجُ »
مسندا إلى ضمير المعظم نفسه . وقرأ ابن محيصن والأعمش « يخرج » بياء الغيبة مبنيا للمفعول ، « حبّ » قائم مقام فاعله ، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفة ل
« خَضِراً »
، وهذا هو الظاهر ، وجوّزوا فيها أن تكون مستأنفة . و « متراكب » رفعا ونصبا صفة ل « حب » بالاعتبارين . قوله :
وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ
يجوز في هذه الجملة أوجه : أحدها : - وهو أحسنها : أن يكون
« مِنَ النَّخْلِ »
خبرا مقدما ، و
« مِنْ طَلْعِها »
بدل بعض من كل ، بإعادة العامل ، فهو كقوله :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ .
و
« قِنْوانٌ »
مبتدأ مؤخر ، وهذه
هامش
( 1 ) سورة نوح ، آية ( 17 ) . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 189 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 189 ) .