وقرأ الأعمش والنضعي « 1 » وابن أبي عبلة : نزل بتخفيف الزاي ورفع الكتاب فأما القراءة الأولى فقد تقدم أن هذه الجملة يحتمل أن تكون خبرا وأن تكون مستأنفة .
وأما القراءة الثانية فالظاهر أن الجملة فيها مستأنفة ويجوز أن تكون خبرا والعائد حينئذ محذوف تقديره : نزل الكتاب من عنده .
قوله :
« بِالْحَقِّ »
فيه وجهان :
أحدهما : أن تتعلق الباء بالفعل قبلها والباء حينئذ للسببية أي : نزله بسبب الحق .
والثاني : أن تتعلق بمحذوف على أنها حال : أما من الفاعل أي : نزله محقا أو من المفعول أي : نزله ملتبسا بالحق نحو : جاء بكر بثيابه أي : ملتبسا بها . وقال مكي : « ولا تتعلق الباء بنزل لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف فلا يتعدى إلى ثالث » وهذا الذي ذكره مكي غير ظاهر فإن الفعل يتعدى إلى متعلقاته بحروف مختلفة على حسب ما يكون وقد تقدم أن معنى الباء السببية فأيّ مانع يمنع من ذلك ؟
قوله :
مُصَدِّقاً
فيه أوجه :
أحدها : أن ينتصب على الحال من
« الْكِتابَ »
فإن قيل « بأن الحق » حال كانت هذه حالا ثانية عند من يجيز تعدد الحال وإن لم يقل بذلك كانت حالا أولى .
الثاني : أن ينتصب على الحال على سبيل البدلية من محل
« بِالْحَقِّ »
وذلك عند من يمنع تعدد الحال في غير عطف ولا بدلية .
الثالث : أن ينتصب على الحال من الضمير المستكن في
« بِالْحَقِّ »
إذا جعلناه حالا لأنه حينئذ يتحمل ضميرا لقيامه مقام الحال التي تتحمله وتكون حالا متداخلة أي : أنها حال من حال وعلى هذه الأقوال كلها فهي حال مؤكدة لأنه لا يكون إلا كذلك فالانتقال غير متصور فيه وهو نظير قوله :
1162 - أنا ابن دارة معروفا بها نسبى * وهل بدارة يا للنّاس من عار « 2 »
قوله
« لِما بَيْنَ يَدَيْهِ »
مفعول لمصدقا وزيدت اللام في المفعول تقوية للعامل لأنه فرع إذ هو اسم فاعل كقوله تعالى :
« فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ » *
وإنما ادعينا ذلك لأن هذه المادة متعدية بنفسها .
قوله :
التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
اختلف الناس في هذين اللفظين : هل يدخلهما الاشتقاق والتصريف أم لا يدخلانهما لكونهما أعجميين ؟ فذهب جماعة كالزمخشري وغيره إلى الثاني .
قالوا : لأن هذين اللفظين إسمان عبرانيان لهذين الكتابين الشريفين .
قال الزمخشري : « وتكلف اشتقاقهما من الورى والنجل ووزنهما بتفعله وإفعيل إنما يثبت بعد كونهما عربيين » .
هامش
( 1 ) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود أبو عمران النخعي الكوفي المشهور الصالح الزاهد توفي سنة ( 96 ) انظر غاية النهاية 1 / 29 .
( 2 ) تقدم .