قوله :
وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ
قرأ الجمهور :
« يَجْرِمَنَّكُمْ »
بفتح الياء من « جرم » ثلاثيا ، ومعنى « جرم » عند الكسائي وثعلب : حمل ، يقال : جرمه على كذا » أي : حمله عليه ، فعلى هذا التفسير يتعدّى « جرم » لواحد ، وهو الكاف والميم ، ويكون قوله :
« أَنْ تَعْتَدُوا »
على إسقاط حرف الخفض وهو
« عَلَى »
أي : ولا يحملنكم بغضكم لقوم على اعتدائكم عليهم ، فيجيء في محلّ « أن » الخلاف المشهور ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة . ومعناه عند أبي عبيد والفراء كسب ، ومنه « فلان جريمة أهله » أي : كاسبهم ، وعن الكسائي أيضا : أنّ جرم وأجرم بمعنى كسب غيره ، وعلى هذا فيحتمل وجهين :
أحدهما : أنه متعد لواحد .
والثاني : أنه متعد لاثنين ، كما أن « كسب » كذلك ، وأما في الآية الكريمة فلا يكون إلا متعديا لاثنين أولهما ضمير الخطاب . الثاني :
« أَنْ تَعْتَدُوا »
أي : لا يكسبنّكم بغضكم لقوم الاعتداء عليهم .
وقرأ عبد اللّه : « يجرمنّكم » بضم الياء من أجرم رباعيا ، وقيل : هو بمعنى جرم كما تقدم نقله عن الكسائي ، وقيل : « أجرم » منقول من « جرم » بهمزة التعدية . قال الزمخشري : « جرم يجري مجرى كسب في تعديته إلى مفعول واحد وإلى اثنين ، تقول : « جرم ذنبا » نحو : كسبه ، وجرمته ذنبا أي : كسبته إياه ، ويقال : أجرمته ذنبا على نقل المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين كقولك : « أكسبته ذنبا » ، وعليه قراءة عبد اللّه :
« وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ »
، وأول المفعولين على القراءتين ضمير المخاطبين ، والثاني :
« أَنْ تَعْتَدُوا »
. انتهى . وأصل هذه المادة - كما قال ابن عيسى الرماني - القطع ، فجرم « حمل على الشيء » لقطعه عن غيره ، وجرم « كسب » لانقطاعه إلى الكسب ، وجرم بمعنى « حقّ » لأن الحق يقطع عليه . قال الخليل :
لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ
« 1 » أي : لقد حق ، هكذا قاله الرماني ، فجعل بين هذه الألفاظ قدرا مشتركا ، وليس عنده من باب الاشتراك اللفظي .
و
شَنَآنُ :
معناه بغض ، وهو مصدر شنىء أي : أبغض . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم :
« شَنَآنُ »
بسكون النون ، والباقون بفتحها ، وجوّزوا في كل منهما أن يكون مصدرا وأن يكون وصفا ، حتى يحكى عن أبي عليّ أنه قال : « من زعم أن « فعلان » إذا سكنت عينه لم يكن مصدرا فقد أخطأ إلا أن فعلان بسكون العين قليل في المصادر نحو : « لويته دينه ليّانا » بل هو كثير في الصفات نحو سكران وبابه ، وفعلان بالفتح قليل في الصفات قالوا : حمار قطوان أي عسر السير ، وتيس عدوان « 2 » ، قال :
1696 - . . . * كتيس ظباء الحلّب العدوان « 3 »
ومثله قول الآخر : - أنشده أبو زيد -
1697 - وقبلك ما هاب الرّجال ظلامتي * وفقّأت عين الأشوس الأبيان « 4 »
هامش
( 1 ) سورة النحل ، الآية ( 62 ) .
( 2 ) العدوان والغذوان : المسرع الذي يغذو ببوله إذا جرى .
اللسان : ( غذا 3224 ) .
( 3 ) عجز بيت لامرىء القيس وصدره- مكر مفر مقبل مدبر معا * . . .انظر ديوانه ( 166 ) ، اللسان ( غذا ) .
( 4 ) البيت لأبي المجشر انظر اللسان ( أبى ) .