كما تقدّم ، وليس كذلك .
قوله :
أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً
الاستفهام للإنكار أي : أتفعلونه مع قبحه . وفي نصب
« بُهْتاناً وَإِثْماً »
وجهان :
أحدهما : أنهما منصوبان على المفعول من أجله أي : لبهتانكم وإثمكم . قال الزمخشري : « وإن لم يكن غرضا كقولك : قعد عن القتال جبنا » .
والثاني : أنهما مصدران في موضع الحال ، وفي صاحبها وجهان ، أظهرهما : أنه الفاعل في « أتأخذونه » أي باهتين وآثمين . والثاني : أنه المفعول أي : أتأخذونه مبهتا محيّرا لشنعته وقبح الأحدوثة عنه .
وبهتان : فعلان من البهت ، وقد تقدّم معناه في البقرة « 1 » ، وتقدم أيضا الكلام في
« كَيْفَ »
ومحلّها من الإعراب في البقرة أيضا في قوله :
كَيْفَ تَكْفُرُونَ
« 2 » .
قوله تعالى :
وَقَدْ أَفْضى :
الواو للحال ، والجملة بعدها في محل نصب ، وأتى ب
« قَدْ »
ليقرب الماضي من الحال ، وكذلك
« أَخَذْنَ »
و « قد » مقدرة معه لتقدّم ذكرها . و
« مِنْكُمْ »
فيه وجهان ، أظهرهما : أنه متعلق ب
« أَخَذْنَ »
.
وأجاز فيه أبو البقاء أن يكون حالا من
« مِيثاقاً »
قدّم عليه ، كأنه لمّا رأى أنه يجوز أن يكون صفة لو تأخّر لجاز ذلك وهو ضعيف . و
« أَفْضى »
معناه ذهب إلى فضاه أي : ناحية سعته ( ، يقال : فضا يفضو ، فألف
« أَفْضى »
عن ياء أصلها واو .
قوله تعالى :
ما نَكَحَ آباؤُكُمْ :
في
« ما »
هذه قولان : أحدهما : أنها موصولة اسمية واقعة على أنواع من يعقل ، كما تقدم ذلك في قوله
ما طابَ لَكُمْ
« 3 » ، وهذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء . فأمّا من يجيز ذلك فيقول :
إنها واقعة موقع « من » ، ف « ما » مفعول به بقوله
« وَلا تَنْكِحُوا »
، والتقدير : ولا تتزوجوا من تزوج آباؤكم . والثاني : أنها مصدرية أي : ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الذي كان في الجاهلية وهو النكاح الفاسد كنكاح الشّغار « 4 » وغيره ، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري قال : « ولو كان معناه : ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع « ما » « من » . انتهى . وتبيّن كونه حراما فاسدا من قوله :
« إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً »
. قوله
« مِنَ النِّساءِ »
: تقدّم نظيره أول السورة « 5 » .
قوله :
إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
في هذا الاستثناء قولان :
أحدهما : أنه منقطع ، إذ الماضي لا يجامع الاستقبال ، والمعنى : أنه لمّا حرّم عليهم نكاح ما نكح آباؤهم تطرّق الوهم إلى ما مضى في الجاهلية ما حكمه ؟ فقيل : إلا ما قد سلف أي : لكن ما سلف فلا إثم فيه . وقال ابن زيد في معنى ذلك أيضا : « إن المراد بالنكاح العقد الصحيح » وحمل
« إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ »
على ما كان يتعاطاه بعضهم من الزنا فقال : « إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام ، وكأنه قيل : ولا تعقدوا على من عقد عليه آباؤكم إلا ما قد سلف من زناهم ، فإنه يجوز لكم أن تتزوّجوهم فهو استثناء منقطع أيضا .
والثاني : أنه استثناء متصل وفيه معنيان :
هامش
( 1 ) آية رقم ( 258 ) .
( 2 ) آية رقم ( 28 ) .
( 3 ) سورة النساء ، آية ( 3 ) .
( 4 ) آية ( 258 ) .
( 5 ) آية رقم ( 3 ) .