بالوارث من طريق الالتزام كما دل عليه في قوله :
فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ
أي : تركه الموروث ، فصار التقدير : يوصى بها الموروث ، هكذا أعربه الناس فجعلوه حالا : الزمخشري وغيره .
إلا أن الشيخ « 1 » ردّ ذلك بأنه يؤدّي إلى الفصل بين هذه الحال وعاملها بأجنبي منهما ، وذلك أنّ العامل فيها « يوصى » كما تقرر ، وقوله :
« أَوْ دَيْنٍ »
أجنبي لأنه معطوف على
« وَصِيَّةٍ »
الموصوفة بالعامل في الحال ، قال : « ولو كان على ما قالوه من الإعراب لكان التركيب : « من بعد وصية يوصى بها غير مضارّ أو دين » . وهذا الوجه مانع في كلتا القراءتين :
أعني بناء الفعل للفاعل أو المفعول ، وتزيد عليه قراءة البناء للمفعول وجها آخر ، وهو أن صاحب الحال غير مذكور ، لأنه فاعل في الأصل حذف وأقيم المفعول مقامه ، ألا ترى أنك لو قلت : « ترسل الرياح مبشّرا بها » بكسر الشين ، يعني :
« يرسل اللّه الرياح مبشّرا بها » فحذفت الفاعل وأقمت المفعول مقامه ، وجئت بالحال من الفاعل لم يجز فكذلك هذا » ثم خرّجه على أحد وجهين : إمّا بفعل يدل عليه ما قبله من المعنى ؛ ويكون عامّا لمعنى ما يتسلّط على المال بالوصية أو الدين وتقديره : يلزم ذلك ماله ، أو يوجبه فيه غير مضارّ بورثته بذلك الإلزام أو الإيجاب . وإمّا بفعل مبني للفاعل لدلالة المبني للمفعول عليه أي : يوصي غير مضارّ ، فيصير نظير قوله :
يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجالٌ
« 2 » على قراءة من فتح الباء .
قوله :
وَصِيَّةٍ
في نصبها أربعة أوجه :
أحدها : أنها مصدر مؤكّد ، أي : يوصيكم اللّه بذلك وصية .
الثاني : أنها مصدر في موضع الحال ، والعامل فيها يوصيكم . قاله ابن عطية .
والثالث : أنها منصوبة على الخروج : إمّا من قوله :
« فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ »
أو من قوله :
« فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ »
وهذه عبارة تشبه عبارة الكوفيين .
والرابع : أنها منصوبة باسم الفاعل وهو
« مُضَارٍّ »
، والمضارّة لا تقع بالوصية بل بالورثة ، لكنه لمّا وصّى اللّه تعالى بالورثة جعل المضارّة الواقعة بهم كأنها واقعة بنفس الوصية مبالغة في ذلك ، ويؤيد هذا التخريج قراءة الحسن : « غير مضارّ وصية » بإضافة اسم الفاعل إليها على ما ذكرناه من المجاز ، وصار نظير قولهم : « يا سارق الليلة » التقدير : يا سارقا في الليلة ، ولكنه أضاف اسم الفاعل إلى ظرفه مجازا واتّساعا ، فكذلك هذا ، أصله : غير مضارّ في وصية من اللّه ، فاتّسع في هذا إلى أن عدّي بنفسه من غير واسطة ، لما ذكرت لك من قصد المبالغة .
وهذا أحسن تخريجا من تخريج أبي البقاء فإنه ذكر في تخريج قراءة الحسن وجهين :
أحدهما : أنه على حذف « أهل » أو ذي أي : غير مضارّ أهل وصية أو ذي وصية .
والثاني : على حذف وقت أي : وقت وصية قال : « وهو من إضافة الصفة إلى الزمان ، ويقرب من ذلك قولهم : « هو فارس حرب » أي : فارس في الحرب ، وتقول : « هو فارس زمانه » أي : في زمانه ، كذلك تقدير القراءة : غير مضار في وقت الوصية .
ومفعول « مضارّ » محذوف إذا لم تجعل « وصية » مفعولة أي : غير مضارّ ورثته بوصية .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 191 ) .
( 2 ) سورة النور آية ( 36 ) .