تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
« فَكُلُوهُ »
ويبتدأ
« هَنِيئاً مَرِيئاً »
على الدعاء ، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدرين كأنه قيل : « هنئا مرءا » . قال الشيخ : « وهذا تحريف لكلام النحاة ، وتحريفه هو جعلهما أقيما مقام المصدر ، فانتصابهما انتصاب المصدر ، ولذلك قال : « كأنه قيل : هنئا مرءا ، فصار كقولك « سقيا لك » و « رعيا لك » ، ويدلّ على تحريفه وصحة قول النحاة أنّ المصادر المقصود بها الدعاء لا ترفع الظاهر ، لا تقول : « سقيا اللّه لك » ولا : « رعيا اللّه لك » وإن كان ذلك جائزا في أفعالها ، و
« هَنِيئاً مَرِيئاً »
يرفعان الظاهر بدليل قوله :
1549 - هنيئا مريئا غير داء مخامر * لعزّة من أعراضنا ما استحلّت « 1 »
ف « ما » مرفوع ب
« هَنِيئاً »
أو ب
« مَرِيئاً »
على الإعمال ، وجاز ذلك وإن لم يكن بين العاملين ربط بعطف ولا غيره لأنّ
« مَرِيئاً »
لا يستعمل إلا تابعا ل
« هَنِيئاً »
فكأنهما عامل واحد ، ولو قلت : « قام بعد زيد » لم يكن من الإعمال إلا على نيّة حرف العطف » . انتهى . إلّا أن في عبارة سيبويه ما يرشد لما قاله الزمخشري ، فإنه قال :
« هَنِيئاً مَرِيئاً
: صفتان نصبهما نصب المصادر المدعوّ بها بالفعل غير المستعمل إظهاره المختزل لدلالة الكلام عليه ، كأنهم قالوا : ثبت ذلك هنيئا مريئا » ، فأول العبارة يساعد الزمخشري ، وآخرها - وهو تقديره بقوله : « كأنهم قالوا : ثبت ذلك هنيئا » يعكّر عليه . فعلى القولين الأوّلين ويكون
« هَنِيئاً مَرِيئاً »
متعلقين بالجملة قبلهما لفظا ومعنى ، وعلى الآخرين مقتطعين لفظا ، لأنّ عاملهما مقدر من جملة أخرى كما تقدّم تقريره . واختلف النحويون في قولك لمن قال : « أصاب فلان خيرا هنيئا له ذلك » هل « ذلك » مرفوع بالفعل المقدّر تقديره : ثبت له ذلك هنيئا ، فحذف « ثبت » وقام « هنيئا » الذي هو حال مقامه ، أو مرفوع ب
« هَنِيئاً »
نفسه ، لأنه لمّا قام مقام الفعل رفع ما كان الفعل يرفعه ، كما أنّ قولك : « زيد في الدار » « في الدار » ضمير كان مستترا في الاستقرار ، فلمّا حذف الاستقرار وقام الجار مقامه رفع الضمير الذي كان فيه . ذهب إلى الأول السيرافي ، وجعل في
« هَنِيئاً »
ضميرا عائدا على « ذلك » ، وذهب إلى الثاني أبو علي ، وجعل
« هَنِيئاً »
فارغا من الضمير لرفعه الاسم الظاهر . وإذا قلت :
« هَنِيئاً »
ولم تقل « ذلك » ، فعلى مذهب السيرافي يكون في
« هَنِيئاً »
ضمير عائد على ذي الحال ، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في « ثبت » المحذوف ، وعلى مذهب الفارسي يكون في
« هَنِيئاً »
ضمير فاعل بها ، وهو الضمير الذي كان فاعلا ، ل « ثبت » ويكون
« هَنِيئاً »
قد قام مقام الفعل المحذوف فارغا من الضمير . وأمّا نصب
« مَرِيئاً »
ففيه خمسة أوجه : أحدها : أنه صفة ل
« هَنِيئاً »
، وإليه ذهب الحوفي . والثاني : أنه انتصب انتصاب
« هَنِيئاً »
، وقد تقدّم ما فيه من الوجوه . ومنع الفارسي كونه صفة ل
« هَنِيئاً »
قال : لأنّ هنيئا قام مقام الفعل والفعل لا يوصف ، فكذا ما قام مقامه » ، ويؤيّد ما قاله الفارسي أنّ اسم الفاعل واسم المفعول وأمثلة المبالغة والمصادر إذا وصفت لم تعمل عمل الفعل .
هامش
( 1 ) البيت لكثير انظر ديوانه ( 1 / 49 ) ، الأمالي لابن الشجري ( 1 / 165 ) .