لا ، فإن ألبس وجبت المطابقة نحو : كرم الزيدون آباء ، أي : أن لكل واحد أبا غير أب الآخر يتصف بالكرم ، ولو أفردت هنا لتوهّم أنهم كلّهم بنو أب واحد ، والغرض خلافه . وإن لم يلبس جاز الأمران : المطابقة والإفراد ، وهو الأولى ، ولذلك جاءت عليه الآية الكريمة ، وحكم التثنية في ذلك كالجمع .
وحسّن الإفراد أيضا هنا ما تقدّم من محسّن تذكير الضمير وإفراده في
« مِنْهُ »
وهو أن المعنى : فإن طابت كلّ واحدة نفسا . وقال بعض البصريين : « إنما أفرد لأن المراد بالنفس هنا الهوى ، والهوى مصدر ، والمصادر لا تثنّى ولا تجمع » وقال الزمخشري : « ونفسا تمييز ، وتوحيدها لأنّ الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه » . ونحا أبو البقاء نحوه ، وشبّهه ب « درهما » في قولك : « عشرون درهما » .
واختلف النحاة في جواز تقديم التمييز على عامله إذا كان متصرفا ، فمنعه سيبويه ، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقولهم :
1547 - أتهجر ليلى بالفراق حبيبها * وما كان نفسا بالفراق تطيب « 1 »
وقوله :
1548 - . . . * . . . إذا عطفاه ماء تحلّبا « 2 »
الأصل : تطيب نفسا ، وتحلّبا ماء . وفي البيتين كلام طويل ليس هذا محلّه وحجة سيبويه في منع ذلك أنّ التمييز فاعل في الأصل ، والفاعل لا يتقدم فكذلك ما في قوته . واعترض على هذا بنحو : « زيدا » من قولك : « أخرجت زيدا » فإنّ « زيدا » في الأصل فاعل قبل النقل ، إذ الأصل : « خرج زيد » . والفرق لائح . وللتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم .
والجارّان في قوله :
« فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ »
متعلّقان بالفعل قبلهما مضمنا معنى الإعراض ، ولذلك عدّي ب
« عَنْ »
كأنه قيل : فإن أعرضن لكم عن شيء طيبات النفوس . والفاء في
« فَكُلُوهُ »
جواب الشرط وهي واجبة ، والهاء في
« فَكُلُوهُ »
عائد على
« شَيْءٍ »
.
قوله :
هَنِيئاً مَرِيئاً
في نصب
« هَنِيئاً »
أربعة أقوال :
أحدها : أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف ، تقديره : أكلا هنيئا .
الثاني : أنه منصوب على الحال من الهاء في
« فَكُلُوهُ »
أي : مهنّأ أي : سهلا .
الثالث : أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره البتة ، لأنه قصد بهذه الحال النيابة عن فعلها نحو : « أقائما وقد قعد الناس » ، كما ينوب المصدر عن فعله نحو : « سقيا له ورعيا » .
الرابع : أنهما صفتان قامتا مقام المصدر المقصود به الدعاء النائب عن فعله . قال الزمخشري : « وقد يوقف على
هامش
( 1 ) البيت للمخيل السعدي ، انظر الكتاب ( 1 / 108 ) ، الهمع ( 1 / 252 ) ، الدرر ( 1 / 208 ) ، اللسان « حبب » .
( 2 ) جزء من عجز بيت لربيعة بن مقروم وهو :رددت بمثل السيد نهد مقلص * كميش . . .وهو في الأشموني ( 2 / 202 ) ، المغني ( 515 ) .