و
« عِوَجاً »
فيه وجهان ، أحدهما : أنه مفعول به ، وذلك أن يراد تبغون : تطلبون ، قال الزجاج والطبري : « تطلبون لها اعوجاجا ، تقول العرب : « ابغني كذا » بوصل الألف أي : اطلبه لي و « أبغني كذا » بقطع الألف أي : أعنّي على طلبه ، قال ابن الأنباري : « البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت المال والأجر والثواب ، وههنا أريد : يبغون لها عوجا ، فلمّا سقطت اللام عمل الفعل فيما بعدها كما قالوا : « وهبتك درهما » يريدون :
وهبت لك ، ومثله : « صدتك ظبيا » أي : صدت لك ، قال الشاعر :
1369 - فتولّى غلامهم ثمّ نادى * أظليما أصيدكم أم حمارا « 1 »
يريد : أصيد لكم ظليما ومثله : « جنيتك كمأة وجنيتك رطبا » والأصل جنيت لك ، فحذف ونصب » .
والثاني : أنه حال من فاعل « يبغونها » وذلك أن يراد ب « تبغون » معنى تتعدّون ، والبغي التعدّي ، والمعنى : تبغون عليها أو فيها . قال الزجاج : « كأنه قال : تبغونها ضالّين » .
والعوج - بالكسر - والعوج - بالفتح - الميل ، ولكنّ العرب فرّقوا بينهما ، فخصّوا المكسور بالمعاني والمفتوح بالأعيان ، تقول : في دينه وكلامه عوج - بالكسر - ، وفي الجدار عوج - بالفتح - . قال أبو عبيدة : « العوج - بالكسر - الميل في الدين والكلام والعمل ، وبالفتح في الحائط والجذع » وقال أبو إسحاق : « بالكسر فيما لا ترى له شخصا ، وبالفتح فيما له شخص وقال صاحب « المجمل » :
« بالفتح في كلّ منتصب كالحائط ، والعوج - يعني بالكسر - ما كان في بساط أو دين أو أرض أو معاش » فقد جعل الفرق بينهما بغير ما تقدم . وقال الراغب : « العوج : العطف عن حال الانتصاب ، يقال : عجت البعير بزمامه ، وفلان ما يعوج عن شيء يهمّ به أي يرجع ، والعوج - يعني بالفتح - يقال فيما يدرك بالبصر كالخشب المنتصب ونحوه ، والعوج يقال فيما يدرك بفكر وبصيرة ، كما يكون في أرض بسيطة عوج فيعرف تفاوته بالبصيرة وكالدين والمعاش » قلت : وهذا قريب من قول ابن فارس لأنه كثيرا ما يأخذ منه .
وقد سأل الزمخشري في سورة طه عند قوله :
لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
« 2 » حاصله يرجع إلى أنه كيف قيل :
عوج - بالكسر - في الأعيان ، وإنما يقال في المعاني ؟ وأجاب هناك بجواب حسن سيأتي بيانه إن شاء اللّه ، والسؤال إنما يجيء على قول أبي عبيدة والزجاج المتقدم ، وأمّا على قول ابن فارس والراغب فلا يرد .
ومن مجيء العوج بمعنى الميل من حيث الجملة قوله :
1370 - تمرّون الدّيار ولم تعوجوا * كلامكم عليّ إذا حرام « 3 »
وقول امرئ القيس :
1371 - عوجا على الطّلل المحيل لأنّنا * نبكي الدّيار كما بكى ابن حذام « 4 »
هامش
( 1 ) انظر البيت في مغني اللبيب 243 .
( 2 ) سورة طه ، آية ( 107 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) انظر ديوانه ( 114 ) ، الهمع ( 1 / 134 ) ، الخزانة ( 2 / 234 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 111 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 79 ) ، العمدة لابن رشيق ( 1 / 87 ) ، الرازي ( 13 / 144 ) ، كان امرؤ القيس بينه وبين سبيع بن عوف قرابة ، فأتى امرؤ القيس يسأله فلم يعطه شيئا فقال سبيع أبياتا يعرّض بامرىء القيس ويذمه فرد عليه امرؤ القيس بأبيات هذا منها .