تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 524

مساهمون:

ص٥٢٤
البقاء : « وعلى قول الأخفش موضعه نصب على الظرف و « نصر » مرفوع به » . و « متى » ظرف زمان لا يتصرّف إلا بجرّه بحرف . وهو مبنيّ لتضمّنه : إما لمعنى همزة الاستفهام وإمّا معنى « من » الشرطية ، فإنه يكون اسم استفهام ، ويكون اسم شرط فيجزم فعلين شرطا وجزاء . والظاهر أنّ جملة « متى نصر اللّه » من قول المؤمنين ، وجملة « ألا إنّ نصر اللّه قريب » من قول الرسول ، فنسب القول إلى الجميع إجمالا ، ودلالة الحال مبيّنة للتفصيل المذكور . وهذا أولى من قول من زعم أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا « متى نصر اللّه » فيقول الرسول « ألا إنّ » ، فقدّم الرسول لمكانته ، وقدّم المؤمنون لتقدّمهم في الزمان . قال ابن عطية : « هذا تحكّم وحمل الكلام على غير وجهه » وهو كما قال . وقيل : الجملتان من قول الرسول والمؤمنين معا ، يعني أن الرسول قالهما معا ، وكذلك أتباعه قالوهما معا ، وقول الرسول « متى نصر اللّه » ليس على سبيل الشّكّ ، إنما هو على سبيل الدعاء باستعجال النصر . وقيل : إنّ الجملة الأولى من كلام الرسول وأتباعه ، والجملة الأخيرة من كلام اللّه تعالى ، أجابهم بما سألوه الرسل واستبطأه الأتباع . فالحاصل أن الجملتين في محل نصب بالقول .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 215 إلى 216 ]

يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ( 215 ) كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 216 ) قوله تعالى :
ما ذا يُنْفِقُونَ :
قد تقدّم أنّ « ماذا » له ستة استعمالات وتحقيق القول فيه عند قوله :
ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا
« 1 » . وهنا يجوز أن تكون « ماذا » بمنزلة اسم واحد بمعنى الاستفهام فتكون مفعولا مقدّما ، ويجوز أن تكون « ما » مبتدأ و « ذا » خبره ، وهو موصول . و « ينفقون » صلته والعائد محذوف ، و « ماذا » معلّق للسؤال فهو في موضع المفعول الثاني ، وقد تقدّم تحقيقه في قوله :
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ
« 2 » ، وجاء « ينفقون » بلفظ الغيبة ؛ لأنّ فاعل الفعل قبله ضمير غيبة في « يسألونك » ، ويجوز في الكلام « ماذا ننفق » كما يجوز : أقسم زيد ليضربنّ ولأضربنّ ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في قوله تعالى :
يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ
« 3 » في المائدة . قوله :
قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
يجوز في « ما » وجهان : أحدهما : أن تكون شرطية ، وهو الظاهر لتوافق ما بعدها ، ف « ما » في محلّ نصب مفعول مقدّم واجب التقديم ، لأنّ له صدر الكلام . و « أنفقتم » في محلّ جزم بالشرط ، و « من خير » تقدّم إعرابه في قوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
« 4 » . وقوله :
فَلِلْوالِدَيْنِ
جواب الشرط ، وهذا الجارّ خبر لمبتدأ محذوف أي : فمصرفه للوالدين ، فيتعلّق
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 26 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 211 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، آية ( 4 ) . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 106 ) .