[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 214 ]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 )
قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ :
« أم هذه فيها أربعة أقوال :
أحدها : أن تكون منقطعة فتتقدّر ب « بل » والهمزة . ف « بل » لإضراب انتقال من إخبار إلى إخبار ، والهمزة للتقرير . والتقدير : بل أحسبتم .
والثاني : أنها لمجرد الإضراب من غير تقدير همزة بعدها ، وهو قول الزجاج وأنشد :
926 -
بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى * وصورتها أم أنت في العين أملح « 1 »
أي : بل أنت .
والثالث : وهو قول بعض الكوفيين أنها بمعنى الهمزة . فعلى هذا يبتدأ بها في أول الكلام ، ولا تحتاج إلى الجملة قبلها يضرب عنها .
والرابع : أنها متصلة ، ولا يستقيم ذلك إلا بتقدير جملة محذوفة قبلها ، فقدّره بعضهم : فهدى اللّه الذين آمنوا ، فصبروا على استهزاء قومهم ، أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم .
و « حسبتم » هنا من أخوات « ظنّ » ، تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر ، و « أن » وما بعدها سادّة مسدّ المفعولين عند سيبويه ، ومسدّ الأول والثاني محذوف عند أبي الأخفش ، كما تقرّر ذلك . ومضارعها فيه الوجهان :
الفتح - وهو القياس - والكسر . ولها من الأفعال نظائر ، سيأتي ذلك في آخر السورة ، ومعناها الظنّ ، وقد تستعمل في اليقين قال :
927 -
حسبت التّقى والجود خير تجارة * رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا « 2 »
ومصدرها : الحسبان . وتكون غير متعدية إذا كان معناها الشقرة ، تقول : حسب زيد ، أي اشقرّ ، فهو أحسب أي : أشقر .
قوله :
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ
الواو للحال ، والجملة بعدها في محلّ نصب عليها ، أي : غير آتيكم مثلهم .
و « لمّا » حرف جزم معناه النفي ك « لم » ، وهو أبلغ من النفي ب « لم » ، لأنها لا تنفي إلا الزمان المتصل بزمان الحال . والفرق بينها وبين « لم » من وجوه :
أحدها : أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام إذا دلّ عليه دليل كقوله :
928 -
فجئت قبورهم بدءا ولمّا * فناديت القبور فلم تجبنه « 3 »
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت للبيد انظر ديوانه ( 246 ) ، الهمع ( 1 / 149 ) ، الأشموني ( 2 / 21 ) ، الدرر ( 1 / 132 ) .
( 3 ) تقدم .