أحدها : أنها في محل نصب صفة ثانية لرسولا ، وجاء هذا على الترتيب الأحسن إذ تقدم ما هو شبيه بالمفرد ، وهو المجرور على الجملة .
والثاني : أنها في محل نصب على الحال من رسولا ، لأنه لما وصف تخصص .
الثالث : أنها حال من الضمير في منهم ، والعامل فيها الاستقرار الذي يتعلق به
« مِنْهُمْ »
لوقوعه صفة . وتقدم قوله
« الْعَزِيزُ »
لأنها صفة ذات ، وتأخر
« الْحَكِيمُ »
لأنها صفة فعل . ويقال : عزّ يعزّ ويعزّ ولكن باختلاف المعنى فالمضموم بمعنى غلب ومنه :
وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ
« 1 » والمفتوح بمعنى الشدة : ومنه عز لحم الناقة أي : اشتد ، وعز على هذا الأمر ، والمكسور بمعنى النفاسة وقلة النظير .
قوله تعالى :
وَمَنْ يَرْغَبُ :
« من » اسم استفهام بمعنى الإنكار ، فهو نفي في المعنى ، ولذلك جاءت بعده « إلا » التي للإيجاب ومحله رفع بالابتداء و « يرغب » خبره ، وفيه ضمير يعود عليه ، والرغبة أصلها الطلب ، فإن تعدت ب « في » كانت بمعنى الإيثار له والاختيار نحو : رغبت في كذا ، وإن تعدت ب « عن » كانت بمعنى الزهادة نحو : رغبت عنك .
قوله :
إِلَّا مَنْ سَفِهَ
في « من » وجهان :
أحدهما : أنها في محل رفع على البدل من الضمير في « يرغب » وهو المختار ، لأن الكلام غير موجب ، الكوفيون يجعلون هذا من باب العطف ، فإذا قلت : ما قام القوم إلا زيد ف « إلا » عندهم حرف عطف ، وزيد معطوف على القوم ، وتحقيق هذا مذكور في كتب النحو .
الثاني : أنها في محل نصب على الاستثناء و « من » يحتمل أن تكون موصولة ، وأن تكون نكرة موصوفة ، فالجملة بعدها لا محل لها على الأول ، ومحلها الرفع أو النصب على الثاني .
قوله :
نَفْسَهُ
في نصبه سبعة أوجه :
أحدها : - وهو المختار - أن يكون مفعولا به لأن ثعلبا والمبرد حكيا أن سفه بكسر « الفاء » يتعدى بنفسه كما يتعدى سفه بفتح الفاء والتشديد ، وحكي عن أبي الخطاب « 2 » أنها لغة وهو اختيار الزمخشري ، فإنه قال : سفه نفسه :
امتهنها واستخف بها ، ثم ذكر أوجها أخر ، ثم قال : والوجه الأول وكفى شاهدا له بما جاء في الحديث : « الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس » « 3 » .
الثاني : أنه مفعول به ولكن على تضمين « سفه » معنى فعل يتعدى ، فقدره الزجاج وابن جني بمعنى جهل ، وقدره أبو عبيدة بمعنى أهلك .
الثالث : أنه منصوب على إسقاط حرف الجر تقديره : سفه في نفسه .
هامش
( 1 ) سورة ص ، آية ( 23 ) .
( 2 ) عبد الحميد بن عبد المجيد أبو الخطاب الأخفش الأكبر مولى قيس بن ثعلبة كان إماما في العربية وهو أول من فسّر الشعر تحت كل بيت توفي سنة 177 ه إنباه الرواة ( 2 / 157 ) ، البغية ( 2 / 74 ) .
( 3 ) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 136 ، وعزاه للبزار وأحمد وقال :
رجال أحمد ثقات .