فصلت « 1 » :
أَرِنَا الَّذَيْنِ
وقرأ ابن كثير بالإسكان في الجمع ووافقه في فصلت ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ، واختلف عن أبي عمرو فروى عنه السوسي موافقة ابن كثير عن الجميع ، وروى عنه الدوري « 2 » اختلاس الكسر فيها ، أما الكسر فهو الأصل ، وأما الاختلاس فحسن مشهور ، وأما الإسكان فللتخفيف شبهوا المتصل بالمنفصل ، فسكنوا كسره كما قالوا في فخذ : فخذ ، وكتف : كتف .
وقد غلط قوم راوي هذه القراءة ، وقالوا : صار كسر الراء دليلا على الهمزة المحذوفة فإن أصله : « أرنا » ثم نقل قال الزمخشري تابعا لغيره ، قال الفارسي : التغليط ليس بشيء ، لأنها قراءة متواترة ، وأما كسرة الراء فصارت كالأصل ، لأن الهمزة مرفوضة الاستعمال ، وقال أيضا : ألا تراهم أدغمرا في
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي
« 3 » والأصل « لكن أنا » نقلوا الحركة وحذفوا ثم أدغموا ، فذهاب الحركة في « أرنا » ليس بدون ذهابها في الإدغام ، وأيضا فقد سمع الإسكان في هذا الحرف نصا عن العرب ، قال :
730 -
أرنا إدواة عبد اللّه نملأها * من ماء زمزم إنّ القوم قد ظمئوا « 4 »
وأصل أرنا : أرءنا ، فنقلت حركة الهمزة إلى الراء ، وحذفت هي وقد تقدم الكلام فأشبع من هذا عند قوله :
حَتَّى نَرَى اللَّهَ
« 5 » .
والمناسك واحدها : منسك بفتح العين وكسرها ، وقد قرئ « 6 » بهما ، والمفتوح هو المقيس لانضمام عين مضارعة ، والمنسك : موضع النسك وهو العبادة .
قوله :
فِيهِمْ *
في هذا الضمير قولان :
أحدهما : أنه عائد على معنى الأمة إذ لو عاد على لفظها لقال : « فيها » قاله أبو البقاء .
والثاني : أنه يعود على الذرية بالتأويل المتقدم ، وقيل : يعود على أهل مكة ويؤيده :
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ
« 7 » .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 129 إلى 130 ]
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 130 )
قوله تعالى :
مِنْهُمْ :
في محل نصب ، لأنه صفة لرسولا ، فيتعلق بمحذوف أي : رسولا كائنا منهم .
قوله :
يَتْلُوا
في محل هذه الجملة ثلاثة أوجه :
هامش
( 1 ) سورة فصلت ، آية ( 29 ) .
( 2 ) حفص بن عمر بن عبد العزيز الأزدي الدوري أبو عمر إمام القراءة في عصره كان ثقة ثبتا ضابطا له كتاب « ما اتفقت ألفاظه ومعانيه من القرآن » وغير ذلك توفي سنة 246 ه النشر ( 1 / 134 ) ، إرشاد الأريب ( 4 / 118 ) ، غاية النهاية ( 1 / 255 ) ، الأعلام ( 2 / 264 ) .
( 3 ) سورة الكهف ، آية ( 38 ) .
( 4 ) البيت من شواهد القرطبي ( 2 / 87 ) .
( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 55 ) .
( 6 ) سورة الحج ، آية ( 34 ) .
( 7 ) سورة الجمعة ، آية ( 2 ) .