أمانيهم جميعا في البطلان ، مثل أمنيتهم هذه . انتهى ما قاله يعني أنه أشير بها إلى واحد .
قال الشيخ « 1 » : في هذا الوجه « وفيه قلب الوضع إذ الأصل أن يكون « تلك » مبتدأ وأمانيهم خبر ، فقلب هذا الوضع إذ قال : إن أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه ، وفيه أنه متى كان الخبر مشبها به المبتدأ ، فلا يتقدم الخبر نحو : زيد زهير فإن تقدم كان ذلك من عكس التشبيه كقولك : الأسد زيد شجاعة » .
قوله :
هاتُوا بُرْهانَكُمْ
هذه الجملة في محل نصب بالقول . واختلف في « هات » على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه فعل ، وهذا هو الصحيح لاتصاله بالضمائر المرفوعة البارزة نحو : هاتوا هاتي هاتيا هاتين .
الثاني : أنه اسم فعل بمعنى أحضر .
والثالث - وبه قال الزمخشري - أنه اسم صوت بمعنى ها التي بمعنى أحضر . وإذا قيل بأنه فعل فاختلف فيه على ثلاثة أقوال أيضا :
أصحها : أن هاءه أصل بنفسها ، وأن أصله هاتي يهاتي مهاتاة مثل : رامي يرامي مراماة ، فوزنه فاعل فنقول هات يا زيد ، وهاتي يا هند ، وهاتوا وهاتين يا هندات ، كما تقول : رام رامي راميا راموا رامين . وزعم ابن عطية أن تصريفه مهجور لا يقال فيه إلا الأمر ، وليس كذلك .
الثاني : أن الهاء بدل من الهمزة ، وأن الأصل : أأتي وزنه : افعل مثل أكرم . وهذا ليس بجيد لوجهين :
أحدهما : أن آتي يتعدى لاثنين ، وهاتي يتعدى لواحد فقط .
والثاني من الوجهين : أنه كان ينبغي أن تعود الألف المبدلة من الهمزة إلى أصلها لزوال موجب قلبها وهو الهمزة الأولى ، ولم يسمع ذلك .
الثالث : أن هذه « ها » التي للتنبيه دخلت على « آتي » ولزمتها وحذفت همزة أتى لزوما ، وهذا مردود فإن معنى هات أحضر كذا ، ومعنى ائت : أحضر أنت فاختلاف المعنى يدل على اختلاف المادة .
فتحصل في « هاتوا » سبعة أقوال : فعل أو اسم فعل أو اسم صوت ، والفعل هل يتصرف أو لا يتصرف ، وهل هاؤه أصلية أو بدل من همزة ، أو هي هاء التنبيه زيدت وحذفت همزته ؟ وأصل هاتوا : هاتيوا فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت ، فالتقى ساكنان ، فحذف أولهما ، وضم ما قبله لمجانسة الواو ، فصار هاتوا .
قوله :
بُرْهانَكُمْ
مفعول به ، واختلف فيه على قولين :
أحدهما : أنه مشتق من البره وهو القطع ، وذلك أنه دليل يفيد العلم القطعي ومنه : برهة الزمان أي : القطعة منه فوزنه فعلان .
والثاني : أن نونه أصلية لثبوتها في برهن يبرهن برهنة ، والبرهنة البيان ، فبرهن فعلل لا فعلن ، لأن فعلن غير موجود في أبنيتهم ، فوزنه فعلال ، وعلى هذين القولين يترتب الخلاف في صرف برهان وعدمه مسمى به .
هامش
( 1 ) انظر المصدر السابق .