تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
رفع الذكر أو العلم
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
[ النساء : 113 ] أو الخلق الحسن
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
[ القلم : 4 ] وقد يقال : إن هذه السورة مع قصرها معجزة من وجوه لما فيها من الإخبار بالغيوب وهو الوعد بكثرة الأتباع والأولاد وزوال الفقر حتى نحر مائة بدنة في يوم واحد وقد وقع مطابقا ، ولأنهم عجزوا عن معارضتها مع قصرها فإنها أقصر سورة من القرآن . قوله
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
في الصلاة أقوال : فعن مجاهد وعكرمة معناه اشكر لربك ، وفائدة الفاء أن شكر النعمة يجب على الفور لا على التراخي ، وقيل : هي الدعاء كأنه قال : قبل سؤالك ودعائك ما بخلنا عليك بالكوثر فكيف بعد سؤالك فسل تعط واشفع تشفع وذلك أنه أبدا كان في هم أمته . والأقرب وعليه الأكثرون أنها الصلاة ذات الهيئات والأركان لأنها مشتملة على الدعاء والشكر وعلى سائر المعاني المنبئة عن التواضع والخدمة ، ولأن حمله على الشكر يوهم أنه ما كان شاكرا قبل ذلك لكنه كان من أول أمره مطيعا لربه شاكرا لنعمه . أما الصلاة فإنه إنما عرفها بالوحي ، يروى أنه حين أمر بالصلاة قال : كيف أصلي ولست على وضوء ؟ فقال اللّه :
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
وضرب جبرائيل بجناحه على الأرض فنبع ماء الكوثر فتوضأ فقيل له عند ذلك
فَصَلِّ
وإن حمل الكوثر على الرسالة فكأنه قال : أعطيتك الرسالة لتأمر نفسك وسائر الخلق بالطاعات
فَصَلِّ
وفي قوله
لِرَبِّكَ
إشارة إلى وجوب الأضحى مخالفة عبدة الأوثان . وإنما لم يقل لنا سلوكا لطريقة الالتفات وإفادة لنوع من التعظيم كقول الخلفاء « يرسم أمير المؤمنين كذا » ولأن الجمعية في هذا المقام توهم الاشتراك والعدول إلى الوحدة لو قال « لي » انقطع النظم ، ولأنه يفيد أن سبب العبادة هو التربية ، ثم الذين فسروا الصلاة بما عرف في الشرع اختلفوا ؛ فالأكثرون على أنها جنس الصلاة لإطلاق اللفظ ، وإنما لم يذكر الكيفية لأنها كانت معلومة قبل ذلك . وقال الآخرون : إنها صلاة عيد الأضحى لاقترانها بقوله
وَانْحَرْ
وكانوا يقدمون الأضحية على الصلاة فأمروا بتأخيرها عنها . والواو تفيد الترتيب استحسانا وأدبا وإن لم تفده قطعا . وقال سعيد بن جبير : صل الفجر بالمزدلفة وانحر بمنى والمناسبة بين نحر البدن وبين جنس الصلاة أن المشركين كانت صلاتهم وقرا بينهم للأصنام فأمر صلى اللّه عليه وسلم بأن تكون صلاته وقربانه للّه تعالى ، وكان النحر واجبا على النبي صلى اللّه عليه وسلم . قال صلى اللّه عليه وسلم « ثلاث كتبن عليّ ولم تكتب على أمتي . الضحى والأضحى والوتر » . وإنما لم يقل ضح وإن كان أشمل لأن أعز الأموال عند العرب هو الإبل فأمر بنحرها وصرفها إلى طاعة اللّه ففي ذلك قطع العلائق الجسمانية ورفع العوائق