تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 495

مساهمون:

ص٤٩٥
عن الجماع وأمر أهله بالتهجد . وأما الشفع والوتر فمعناهما الزوج والفرد . والوتر بالفتح لغة أهل العالية ، وبالكسر لغة تميم . واختلف المفسرون فيهما اختلافا عظيما فمنهم من حملهما على الأشياء كلها لأن الموجودات لا تخلو من هذين القسمين فتكون كقوله
فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ
[ الحاقة : 38 ، 39 ] وقيل : الشفع صفات الخلق كالعلم والقدرة والحياة ، ونقائضها الجهل والعجز والموت . والوتر صفات الحق وجود بلا عدم وقدرة بلا عجز وعلم بلا جهل وحياة بلا موت . وقيل الشفع والوتر : نفس العدد وكأنه تعالى أقسم بالحساب الذي لا بد للخلق منه فهو في معرض الامتنان بمنزلة العلم والبيان في قوله
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 4 ، 5 ] الرابع الشفع الممكنات
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
[ الذاريات : 49 ] والوتر الواجب تعالى وتقدّس . الخامس الشفع الصلوات الثنائية والرباعية والوتر الثلاثية ، عن عمران بن حصين عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن الصلاة منها شفع ومنها وتر » . « 1 » السادس الشفع درجات الجنة وأبوابها وهي ثمانية ، والوتر دركات النار وأبوابها وهي سبعة . السابع الشفع البروج الاثنا عشر ، والوتر الكواكب السبعة . الثامن الشفع الشهر الذي يكون ثلاثين والوتر تسعة وعشرون . التاسع الشفع السجدتان والوتر الركوع . العاشر الشفع العيون الاثنا عشر لموسى
فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
[ البقرة : 60 ] والوتر معجزاته
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ
[ الإسراء : 101 ] وأظهر الأقوال ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة لأنه تاسع أيام الليالي المذكورة . وحين أقسم بالليالي المخصوصة أقسم على العموم بالليل إذا يسري أي إذا يمضي كقوله والليل إذا أدبر [ المدثر : 33 ] وعن مقاتل : هو ليلة المزدلفة . وعلى هذا جوّز أن يراد بالسري الإسناد المجازي لأن الساري فيه هو الحاج . يروى أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقدّم ضعفة أهله في هذه الليلة . والحجر بالكسر العقل سمي بذلك لأنه يمنع من الوقوع فيما لا ينبغي كما سمي عقلا ، ونهي لأنه يعقل وينهى ، وحصاة لأنه يحصى أي يضبط . قال الفراء : يقال إنه لذو حجر إذا كان قاهرا لنفسه ضابطا لها . والمراد بالاستفهام تقرير أن هذه المذكورات لشرفها وعظم شأنها يحق أن يؤكد بمثلها المقسم عليه كمن ذكر حجة باهرة ثم قال : هل فيما ذكرته حجة يريد أنه لا حجة فوق هذا ومن هنا قال بعضهم : فيه دليل على أنه تعالى أراد رب هذه الأشياء ليكون غاية في القسم . ولقائل أن يقول : المقنع والكفاية غير الغاية والنهاية . ثم إنه تعالى ذكر للعبرة ولتسلية نبيه صلى اللّه عليه وسلم قصة ثلاث فرق على سبيل الإجمال لأنهم أعلام في القوة
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب تفسير سورة 89 . أحمد في مسنده ( 4 / 437 ، 438 ، 442 ) .