تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
« جاءني رجل » لا يشمل المجيء سواه . ولو قلت « ما تخلف رجل » عمّ المجيء كل أحد . ثم قال : هب أنه يقتضي التبعيض لكنه حق لأن من آمن فإنه يغفر ما تقدم من ذنوبه على إيمانه ، أما المتأخر عنه فإنه لا يصير بذلك السبب مغفورا فثبت أنه لا بد هاهنا من حرف التبعيض . قلت : هذا التأويل جائز في حق هذه الأمة أيضا فوجب أن يذكر من في سورة الصف أيضا . قوله
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ
إشارة إلى الأجل المسمى وفيه تنبيه على أن الأجل الاختراعي قد يؤخر بتقدير الإيمان والعبادة ، وفيه أن وقت الفرصة والإمهال يجب أن يغتنم قبل حلول ما لا حيلة فيه ، وفي قوله
لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
توبيخ على أن إمهالهم في أمور الدنيا بلغ إلى حيث صيرهم شاكين في وقوع الموت . ثم حكى شكوى نوح إلى ربه بعد أن لم ينجع في قومه طول دعوته . ومعنى
لَيْلًا وَنَهاراً
دائبا دائما من غير توان وفتور . قوله
فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً
كقوله
ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً
[ فاطر : 42 ] قوله
لِتَغْفِرَ لَهُمْ
ذكر ما هو المقصود وترك ما هو الوسيلة ، وأصل الكلام ليؤمنوا فتغفر لهم ذنوبهم السالفة هذا قول جار اللّه . ويمكن أن يقال : إنه وعدهم المغفرة على العبادة والتقوى والطاعة فكأنه قال : دعوتهم إلى عبادتك وتقواك وطاعتي لتغفر لهم ، وهذا كلام متسق مبني على الأول كما ترى . ثم ذكر أنهم عاملوه بأشياء منها : جعل الأصابع في الآذان لئلا يسمعوا قوله . ومنها تغطيهم بثيابهم تأكيدا لعدم سماع الحجة أو لئلا يبصروا وجهه . ومنها إصرارهم على مذهبهم واستكبارهم عن قبول الحق استكبارا بالغا نهايته . ثم حكى نوح أنه كان لدعوته ثلاث مراتب بدأ بالمناصحة في السر ليلا ونهارا فعاملوه بما ذكر ، ثم ثنى بالمجاهدة لأن النصح بين الملأ تقريع وتغليظ فلم يؤثر . وانتصب
جِهاراً
على المصدر لأنه نوع من الدعوة أو على أنه صفة دعاء محذوف . والوصف بالمصدر مبالغة على أنه في موضع الحال . ثم إنه جمع بين الأمرين كما يفعل المجتهد المتحير في التدبير فلم ينفع . ثم فسر الدعوة بقوله
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا
إلى آخره وفيه أن الاستغفار يوجب زيادة البركة والنماء . وله وجه معقول وهو أن اللّه سبحانه مفيض الخيرات والبركات بالذات كما قال « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » فكل ما يصل إلى العباد مما يضاد ذلك كالفقر والقحط والآلام والمخاوف فإنها بشؤم معاصيهم ، فإذا تابوا واستغفروا زال الشؤم والبلاء وعاد الخير والنماء . يروى أنهم لما كذبوه بعد طول تكرير الدعوة حبس اللّه تعالى عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة أو سبعين . فوعدهم نوح أنهم إن آمنوا دفع اللّه عنهم البلاء . والمدرار الكثير الدر يستوي
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب 15 ، 22 . مسلم في كتاب التوبة حديث 14 - 16 . الترمذي في كتاب الدعوات باب 99 . ابن ماجة في كتاب المقدمة باب 13 . أحمد في مسنده ( 2 / 242 ، 258 ) .