رجلا من اليهود أسلم فأصابته مصائب كذهاب البصر والمال والولد فتشاءم بالإسلام فأتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : أقلني . فقال : إن الإسلام يسبك كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة والإسلام لا يقال ونزلت الآية .
والفتنة هاهنا مخصوصة بالابتلاء بالشرور والآلام لوقوعها في مقابلة الخير وهذا على الاستعمال الغالب وإلا فالخير أيضا قد يكون سببا للابتلاء كقوله
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
[ الأنبياء : 35 ] ثم حكى حاله في الدارين بقوله
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
أما خسران الدنيا بعد أن أصابه ما أصاب ففقدان العزة والكرامة والغنيمة وأهلية الشهادة والإمامة والقضاء ، وكون عرضه وماله ودمه مصونة ، وأما الآخرة فحرمان الثواب وحصول العقاب أبد الآباد ، ولا خسران أبين من هذا نعوذ باللّه منه . وفي قوله
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ
الآية . دلالة على أن المذكورة قبلها إنما نزلت في أهل النفاق من المشركين لا من اليهود فإنهم لا يعبدون الأصنام نعم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه . قوله
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ
الآية . فيه بحث لفظي وبحث معنوي . أما الأول فهو أن
يَدْعُوا
بمعنى « يقول » والجملة بعده محكية ، و « من » موصولة أو موصوفة وعلى التقديرين هو مع تمامه مبتدأ ما بعده وهو
لَبِئْسَ الْمَوْلى
خبره واللام الثانية في الخبر لتأكيد اللام الأولى ، وهذا حسن بخلاف قوله « أم الحليس لعجوز » فإنه أدخل لام الابتداء في الخبر على سبيل الاستقلال ويجوز أن يكون
يَدْعُوا
تكرارا للأول وما بعده جملة مستأنفة على الوجه المذكور . وفي حرف عبد اللّه
لَمَنْ ضَرُّهُ
بغير لام ووجهه ظاهر ، وعلى هذا يكون قوله
لَبِئْسَ الْمَوْلى
جملة مستقلة . والمولى الناصر ، والعشير المعاشر أي الصاحب . وأما البحث المعنوي . فهو أنه نفى الضرر والنفع عن الأصنام أولا ثم أثبتهما لها ثانيا حين قال
ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
فما وجه ذلك ؟ والجواب أن المقصود في الآية الثانية رؤساؤهم الذين كانوا يفزعون إليهم في الشدائد مستصوبين آراءهم ، لأن وصف المولى والعشير لا يليق إلا بالرؤساء . سلمنا أنه أراد في الموضعين الأصنام إلا أنه أثبت الضر لها مجازا لأنها سبب الضلال الذي هو سبب عذاب النار نظيره
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
[ إبراهيم : 36 ] وأثبت لها النفع بناء على معتقدهم أنها شفعاؤهم عند اللّه . والمراد يقول :
هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ولا يرى أثر الشفاعة
لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ
ذلك ، أو أراد يدعو من دون اللّه ما لا يضره وما لا ينفعه ، ثم قال : لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى .
ثم لما بين حال المنافقين والمشركين أتبعها حال المؤمنين الذين معبودهم قادر على إيصال كل المنافع فقال
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ
الآية . قالت الأشاعرة : في قوله
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ